نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نظام الطيبات: معركة بين فكرة ومعدة!, اليوم السبت 13 يونيو 2026 11:35 مساءً
«لا تصدق كل ما تسمع ولا نصف ما ترى».
- إدجر آلِن بو.
في فضاء وسائل الاتصال المجتمعية وتنوع مدعي التأثير في أرجاء المعمورة، أصبح الفرد حيرانا ولا يدري الحقائق من الخيال، وتصدر الذكاء الاصطناعي المشهد فتضاعفت الحيرة وأصبح حال البعض حال الشاعر إيليا أبو ماضي حين قال:
أأنا السائِر في الدرب أم الدرب يسير؟
نعم أصبح الإنسان في هذا العصر وأقصد به ذلك الذي أرخى سمعه ووسع حدقة بصره على وسائل التواصل الاجتماعي في بحر متلاطم من الأفكار، ففكرة يقرؤها اليوم يجدها في الغد وقد تم دحضها بفكرة جديدة. ولن تجد أشد راحة في هذا الزمن من ذلك الذي انزوى بنفسه بعيدا عن هذا «المد الشبكي» الذي طال الصغار والكبار. وحقيقة الأمر بأنني لست من رواد وسائل التواصل الاجتماعي ولا أعيرها أي اهتمام، فأقصى اهتمامي إنما ينصب على بعض صفحات الأخبار التي أتصفحها على عجل، ولكنني وفي جلسة مع أحد الأصدقاء سألني عن رأيي حول نظام الطيبات! فأجبت عن سؤاله بسؤال: ماذا تقصد بنظام الطيبات؟ فقال لي في أي كوكب تعيش أنت؟ فقلت قريب من الأرض فقط بيني وبينها دوران!
أثارني موضوع الطيبات فذهبت أتصفح وأبحث لأجده بأنه نظام جديد أثاره دكتور انتقل إلى رحمة الله، وقد وضع نظاما غذائيا يحفظ صحة الإنسان - وفقا لقوله - ويجعله ليس بحاجة لأن يزور طبيبا مطلقا بل سيكون الجسد هو المخلص الأساسي من الأمراض. حرم الطبيب - حرمة طبية - أطعمة وأسن أخرى، ففرح أناس بطرحه وشك آخرون بطرحه، حيث إنه لا يستند إلى أدلة علمية خضعت للهب التجربة وصقلت في معامل العلم، وهناك طرف ثالث وهم السعداء حقا - في نظري - فهم لم يلتفتوا للأمر مطلقا لأنهم في شغل فاكهون من مطعم لمطعم ومن مقهى لآخر، غير عابئين بطرح العلم ولا طرح المشاهير ولا خرافات المهرطقين، وهؤلاء هم الذين فهموا الحياة من زاوية أخرى لعلها تلتقي مع الفلسفة «الأبيقورية» والتي أسسها الفيلسوف أبيقور في عام 300 قبل الميلاد، وهي فلسفة تقوم على الانغماس في الملذات وأن ينال منها الإنسان ما استطاع إليه سبيلا.
ولعل الغالب لا يعلم سر انتشار «نظام الطيبات» وتقبل فئات من المجتمع له. والسر كل السر أن صاحب نظام الطيبات حينما أراد طرح نظامه استقصى وبحث في أحوال المجتمع فوجد جراحا منكوءة ورغبات مكبوتة ويأس جاثم على القلوب. وحينما تكون الأرض خصبة فما على السحب إلا الهطول! نعم وجد مريضا من السكر محروما وممنوعا من أكل الحلوى ومن السكاكر بأنواعها، ففتح له الباب على مصراعيه كي يأكل كيفما شاء متى ما شاء دون قيود طبية، فأصبح مرضى السكر وهم يسبحون في «الشيرة» بدلا من جعلها محليا للطعام. ثم أتى صاحب الطيبات على الدجاج وما أدراك ما الدجاج؟ الدجاج الرفيق الدائم لصحن المسافر في حله وترحاله، فحرمه عليه وحرم عليه كذلك البيض وكأنه يقول «حرمت عليكم الوالد وما ولد» وهناك من يعاني من الحساسية أصلا من البيض والدجاج فوجد بأن القول حق، كيف لا وليس خلف الدجاج والبيض سوى الحساسية والعطاس واحتراق الجيوب الأنفية. ومن ثم قال عن الدخان - التبغ - بأنه غير مضر؛ فطار بذلك المدخنون فأمسى من يدخن خمس سجائر وقد أحرق علبة السجائر كاملة غير ملتفت للملصق التحذيري بأمراض السرطان وغيرها، وما ذلك إلا لأنه طيب وليس بخبيث من وجهة نظر نظام الطيبات.
أخيرا: يألف الإنسان كل أمر يتماشى مع رغباته، فهو يبحث عن الفتوى التي تصب في صالحه وتحل ما حرم عليه، ويبحث عن المذهب الذي يوافق مزاجه في العبادة، ويبحث عن الطبيب الذي يوسع له في الملذات، ويبحث عن الإمام الذي يختصر عليه الصلاة، ويبحث عن الأستاذ الذي يسهل عليه المادة، ويبحث عن المكيف الذي يتحكم فيه عن بعد، ويبحث عن السيارة التي تقود بذاتها... إلخ، وما ذلك إلا لأن الإنسان قد خلق حرا لا يقبل القيود وكل من سعى إلى فك قيده اعتبره قدوة حسنة له سواء أدخل الفكر عن طريق العقل أم عن طريق المعدة، فكل الطرق تؤدي إلى روما.
ولكن المؤلم دائما ليس في عدد الضحايا وإنما في الوجع الذي خلفوه خلفهم حينما أعاروا عقولهم للغير وسلبوا من أنفسهم التفكير والبحث والتقصي، وأجروا العقل لمن يعمل به ويفككه ويسلبه الحياة، وهيهات هيهات أن يعود للحياة ميت...!













0 تعليق