نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف تفشل المدينة في بناء المجتمع؟, اليوم السبت 13 يونيو 2026 11:35 مساءً
تفشل المدينة في بناء المجتمع عندما يختزل مفهومها بالوعاء المادي الذي يشمل شبكة الطرق والخدمات والمساكن؛ حينما يتم مواءمة المعايير والمعدلات التخطيطية مع الموقع تصبح المدينة كيانا هندسيا مجردا من سياقه الاجتماعي. تفشل المدينة في بناء المجتمع عندما تقاس الجودة بالمظهر العمراني والشكل البصري وجمالية المباني والشوارع وأعمدة الإنارة.
تفشل المدينة عندما نحاول أن نبني المدن بمنطق تسويقي دون استيعاب تام للبنية الاجتماعية والأطر التشريعية، والأبعاد الثقافية لتصبح المدينة مجرد كيان مادي قابل للانتقال من مكان ليفشل في مكان آخر. تفشل المدينة في بناء المجتمع عندما يسألني أحدهم ما هي أفضل مدينة؟ وما هو أفضل نموذج لحي سكني؟ أتخيل نفسي حينها وكأني في رحلة تسوق لمنتجات معلبة والمطلوب أن أنصحه بأفضل منتج للشراء؟
تفشل المدينة عندما يخططها أشخاص ليس لهم علاقة بمجال التخطيط العمراني لا من قريب ولا من بعيد لينتجوا دراسات وتقارير أقل ما يقال عنها أنها ساذجة. هذه التقارير تخلص بعدد من المشاكل السطحية التي تتمثل بنقص الخدمات، أو وجود حفر في الشوارع أو عدم توفر مسارات مشاة. إنها مشاكل بلدية تنفيذية لا أراها تنتمي إلى التخطيط العمراني إذ ليس دور المخطط العمراني حساب كم عدد الحفر في الشوارع؟ أو السعي لتبليط مسارات المشاة أو تلوين الأسفلت أو تنفيذ شبكة صرف صحي.
إن المدينة الناجحة هي تلك التي تساهم في تنمية المجتمع. علينا أن ندرك كيف تترك المدينة أثرا إنسانيا في الثقافة والاقتصاد والصحة والتعليم؟ حيث قيمة المدينة بالمنتج الإنساني والحضاري. إن هدف التخطيط العمراني هو إنتاج مجتمعات أفضل؛ فالمدينة التي يتم تخطيطها بشكل جيد قادرة على الارتقاء بالمجتمع وأساليب المعيشة. نعم، التخطيط يمكن أن يقود إلى رفع مستوى الصحة العامة وتقليل عدد الوفيات وتقليل معدلات أمراض العصر، عندما يتم تطوير أحياء سكنية تحفز السكان على المشي وبعيدة عن مصادر الضوضاء والتلوث، وهذا سوف يساهم في ترشيد الإنفاق.
التخطيط يمكن أن يرفع من مستوى التعليم عندما يتم دمج البيئات التعليمية في نسيج عمراني متكامل يعزز الاتصالية بالخدمات المساندة والمناطق الترفيهية. التخطيط يمكن أن يوفر مصادر دخل عندما يتم توظيف الموارد المتاحة بالشكل الأمثل لخلق بيئات محفزة للاستثمار وفرص وظيفية تعكس القاعدة الاقتصادية في المدينة. التخطيط يمكن أن يعزز استيعاب القيمة النسبية للمدن الصغيرة لخلق شبكة اقتصادية متوازنة لتبادل الموارد، ترفع جودة الحياة والقدرة التنافسية.
هذا ما نسميه «التنمية المستدامة» فالمدينة ليست غاية بحد ذاتها؛ بل هي وسيلة للارتقاء بالمجتمعات وتحقيق العدالة الاجتماعية. إن هذا المفهوم التنموي للمدينة أراه غائبا في كثير من الممارسات المحلية، نتيجة لغياب المتخصصين، حيث يتم قياس نجاح المدن أو الأحياء السكنية وفقا لمعايير جمالية أو تسويقية تخضع لمتطلبات «التطوير العقاري» التي تستدعي في كثير من الحالات البناء المادي على حساب بناء الإنسان. إنها تستحضر المفردات العمرانية كواجهة بصرية وتنساق لمتطلبات السوق دون إدراك التجربة الاجتماعية التي يفترض أن تساهم في تشكيل هذه الأنساق المادية. تتشكل الكيانات المادية ببراعة ويغيب السؤال ما هو دورها للإنسان؟ كيف انعكست على الصحة والتعليم والاقتصاد؟ نعجز عن الإجابة لنجد أنفسنا في دوامة التحسين العمراني اللانهائية.
باختصار، تفشل المدينة في بناء المجتمع عندما يغيب «التخطيط العمراني» ولا تستطيع المدينة تفسير المخططات الفنية نحو المشروع الحضاري.













0 تعليق