بيروت ـ داود رمال
يدخل لبنان مرحلة شديدة الخطورة مع تصاعد المؤشرات إلى تحول موجة النزوح الحالية من حالة طارئة إلى أزمة طويلة الأمد، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعة التهجير، ما يضع الدولة أمام تحديات إنسانية واجتماعية غير مسبوقة تتجاوز إمكاناتها المحدودة.
في هذا السياق، كشف مصدر وزاري لـ «الأنباء» أن «التقديرات الحكومية باتت تأخذ في الحسبان احتمال عدم عودة مئات آلاف النازحين إلى مناطقهم في المدى المنظور، خصوصا مع التهديدات الإسرائيلية بتغيير الواقع الديموغرافي على طول الحدود الجنوبية، وصولا إلى نهر الليطاني، ما يعني عمليا إخراج شريحة واسعة من السكان من قراهم لفترة مفتوحة»، وأشار المصدر إلى أن «هذا السيناريو، إن تحقق، سيؤسس لأزمة نزوح مزمنة تتخطى في تداعياتها كل ما شهده لبنان في محطات سابقة».
وبحسب المصدر نفسه «فإن الأرقام الميدانية تعكس حجم الضغط الهائل، مع تجاوز عدد النازحين عتبة المليون، وتوزعهم بين مراكز إيواء جماعية ومنازل مضيفة، في وقت لم تعد فيه البنية التحتية الاجتماعية قادرة على الاستيعاب، وسط تقلص المساحات المتاحة وتراجع قدرة المجتمعات المحلية على التحمل».
وأضاف «جزء من النازحين بات في أوضاع هشة للغاية، ما ينذر بتحولات اجتماعية خطيرة إذا طال أمد الأزمة».
ولفت إلى أن «الحكومة تدرس خيارات محدودة للتعامل مع هذا الواقع، من بينها دعم بدل الإيجارات وتأمين مساكن مؤقتة، لكنها تتجنب في المرحلة الراهنة خيار إنشاء مخيمات دائمة، لما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية، قد تعيد إنتاج نماذج نزوح سابقة يصعب استيعابها لاحقا. غير أن هذه المقاربات تبقى رهينة عامل أساسي يتمثل بمسار العمليات العسكرية واتجاهاتها».
وفي موازاة التحدي الإنساني، حذر المصدر «من تداعيات اجتماعية متصاعدة، إذ إن استمرار النزوح لفترة طويلة قد يؤدي إلى احتكاكات بين المجتمعات المضيفة والنازحين، في ظل استنزاف الموارد المحدودة وارتفاع منسوب التوتر السياسي والطائفي». وأوضح أن «مؤشرات التعب بدأت تظهر في بعض المناطق التي كانت في السابق أكثر استعدادا للاستضافة، ما يعكس تغيرا تدريجيا في المزاج العام نتيجة الضغوط الاقتصادية والمعيشية».
أما على مستوى التمويل، فأكد المصدر أن «الفجوة بين الحاجات والإمكانات تتسع بشكل مقلق، إذ لا تغطي المساعدات المتاحة سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية، في وقت يشهد فيه الدعم الدولي تراجعا ملحوظا مقارنة بجولات سابقة من النزاع».
وأشار إلى أن «الاستجابة الدولية الحالية لاتزال دون المستوى المطلوب، سواء من حيث حجم التمويل أو وتيرة المساعدات، ما يضع أعباء إضافية على الدولة والمجتمع».
ولفت إلى أن «لبنان يقف أمام اختبار حقيقي لقدرة مؤسساته على إدارة أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإنسانية والاجتماعية»، محذرا من أن «استمرار الوضع على حاله من دون تدخل دولي فاعل قد يدفع البلاد نحو أزمة نزوح مفتوحة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي في المدى المتوسط والبعيد».




