نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان وخيار الخطيئة والانتحار, اليوم الأحد 3 مايو 2026 12:51 صباحاً
منذ نشأتها وهي على صفيح ساخن. حولها السياسيون إلى صندوق بريد لتصفية حسابات الخصوم. نقلها المتطرفون من محور يعتمد البناء والتنمية، إلى آخر يسير في فلك التدمير، والتدخل السافر في شؤون الآخرين. رهنها من يملكون سطوة السلاح لمشروع الزيف التاريخي «المقاومة والممانعة».
من المقدمة يفهم أن الحديث عن لبنان. فهي تشهد حربا شرسة داخلية. وحملات تخوين لها أول بلا آخر. بلغت مستوى غير مسبوق. والدولة تواجه جبهتين. إسرائيل وحزب الله. وشرهما واحد بالنسبة للإنسان اللبناني، الذي لم ينعم بالهدوء والعيش بسلام منذ سنوات، أو ربما عقود.
وجد الرئيس اللبناني جوزيف عون نفسه أمام مأزق انقسام داخلي، أدى له تخبط ميليشيا حزب الله. لماذا؟ لأنها دفعت مؤيديها لتبني مواجهة الدولة، التي تسعى للبحث عن بقعة ضوء، توصلها بنهاية المطاف للسلام مع إسرائيل.
خرج عون قبل أيام مرغما لمواجهة جزء كبير من الشارع اللبناني. قال الرجل «البعض يدعي أننا ذهبنا للتفاوض مع إسرائيل في واشنطن مستسلمين. نقول لهم انتظروا لتبدأ المفاوضات واحكموا على النتيجة. ما نقوم به ليس خيانة. الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقا لمصالح خارجية».
طبعا حديث عون كان ردا على تصريحات أطلقها نعيم قاسم أمين عام حزب الله، وألمح بكلام فج وبلا خجل إلى أن «أي تفاوض مع إسرائيل خطيئة. لأنه يدخل لبنان في دوامة عدم الاستقرار».
السؤال: هل عدم الاستقرار يبنى على البحث عن سلام مع عدو شرس لا يرحم؟ أم يأتي بالتدخل بحروب المنطقة، كالحرب السورية، أو مساندة جماعة الحوثي في اليمن؟ ماذا عن توريط لبنان، من خلال المشاركة بإسناد حركة حماس، عقب أحداث 7 أكتوبر 2023، التي كلفت إحراق الأرض ومن عليها، على يد شخص يعيش في تل أبيب على شهوة الحرب والدم؟ وبم يفسر وقوفها جانب طهران في حربها الأخيرة مع أمريكا وإسرائيل؟
هذه أسئلة مشروعة تستحق البحث عن إجاباتها بمنطقية وعقلانية، بتجرد من الانبطاحية، القائم على ارتهان حزب الله للمشروع الإيراني التخريبي الكبير. وطرحها الرئيس اللبناني علانية وبوضوح.
أعتقد أن جزءا من المزاج السياسي اللبناني، لا سيما المحسوب على «المقاومة»، التي تستفيد من البيئة الحاضنة لتيارات وأحزاب مسيحية، كالتيار الوطني الحر بزعامة جبران باسيل وريث صهره ميشال عون، وتيار المردة بزعامة سليمان فرنجية، وشخصيات مستقلة منضوية بما يعرف بتحالف 8 آذار؛ يعاني معضلتين.
ما هما؟ الأولى: تعامٍ، أو بالأصح تغييب متعمد للرأي العام عن الواقع، يقوم على إلغاء الانتماء للدولة كإطار جامع. في الحقيقة ترجمة ذلك، نسف للوطنية، على حساب تصدر الطائفية أو الحزبية.
الثانية: حالة الاستقواء. وذا نابع من امتلاك السلاح السائب. بدليل أن حزب الله ومن يسير في فلكه، جن جنونه، حينما فكرت الحكومة بضبط السلاح المصنف بأنه غير مشروع، طالما أنه خارج إطار المؤسسات الرسمية.
حاول العقلاء في المنطقة - أعني السعودية - تحديدا، تقديم النصح والمشورة، ووضع خارطة طريق على الطاولة، لإنقاذ لبنان من قمقم وعتمة مشاريع خارجية، انتهت بتشريد وتهجير شريحة كبرى من المجتمع. كان آخر خطوات الرياض، يتمثل بزيارة الأمير يزيد بن فرحان مستشار وزير الخارجية السعودي الأسبوع الماضي إلى بيروت.
بلا تملق، المملكة معروف عنها تعاملها مع اللبنانيين على مسافة واحدة، دون تمييز بين سني أو شيعي؛ مسلم أو مسيحي، لأنها ترى لبنان بصورة كبرى، لا بإطار ضيق يعتمد الطوائف أو الديانات، كما تنظر إيران التي قادت لخراب تلك البقعة الجميلة من العالم العربي، نتيجة استخدامها حزب الله وكيلا لها، في أعمال تمارسها في المنطقة. أنا لا أقارن بهذا الصدد، إنما أحاول إيضاح الفرق بين من يريد تعمير لبنان، ومن اجتهد للزج به في حروب ومحارق خاسرة.
فالخطوات التي ذهب بها يزيد بن فرحان، وشملت مقابلة عدد من الزعماء السياسيين، بينهم سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي أكد بعد لقائه بن فرحان بحوار متلفز، «أن السعودية تريد أن تكون لبنان دولة فعلية»؛ من نافلة القول، أنها امتداد لعمل إصلاحي سعودي يريد تحقيق المصلحة العامة للبنان، يستدعي ربطه تاريخيا، باتفاق الطائف المبرم سنة 1989 برعاية من الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز، وأنهى حربا أهلية بين المكونات، أحرقت الحرث والنسل، ونحرت البلاد والعباد من الوريد إلى الوريد.
إن تقاذف التهم والتخوين لن يخرج لبنان من عنق الزجاجة، الذي تسبب به تهور ميليشيات حزب الله، بتمادي غطرستها، وخنق الدولة عبر الاستحواذ بالقوة على قرار الحرب، وطبقته مرارا من الناحية العملية.
لقد سئم اللبنانيون الشرفاء من وضع بلادهم، أداة وظيفية لتنفيذ أجندات، تقوم على كذبة تاريخية، عنوانها «المقاومة»، خدع بها شذاذ آفاق طهران، الحمقى والأغبياء بضاحية بيروت الجنوبية، والبقاع وبنت جبيل.
لا مجال للخوف، ولا الجبن. ولا فرصة تقهقر. عليهم الاختيار. إما البحث عن السلام، أو التقوقع بإطار الخطيئة.. المؤدية للانتحار.


















0 تعليق