الجامعات... ورحلة بناء الهويات الجديدة!

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الجامعات... ورحلة بناء الهويات الجديدة!, اليوم الأحد 3 مايو 2026 12:51 صباحاً

رحلة بناء الهويات الجديدة رحلة ليست باليسيرة، وخصوصا في مثل قطاع التعليم العالي بالمملكة، قطاع تراكمت عليه - لسنوات - التحديات، وتطورت بداخله العديد من الأدوار والبنى، وطبقت عليه الكثير من الحلول والمبادرات حتى اكتسب مناعة ضد التحول العميق، ربما هذا - من وجهة نظري - هو العنوان الأبرز للحراك الكبير الذي أحدثه قيام جامعة الملك سعود بإصدار مجموعة من القرارات الأكاديمية التي تهدف إلى تحديد مسارات القبول في بعض البرامج الدراسية بالجامعة وإلغاء بعض البرامج القائمة، وذلك في إطار خطط المواءمة مع احتياجات سوق العمل والتركيز على العلوم التي تتطلبها التوجهات المستقبلية محليا وعالميا وفقا للبيان التوضيحي الصادر عن الجامعة، وانقسمت الآراء في من يشيد بهذه الخطوة الجريئة، ومن يرى فيها إخلالا بالوظيفة الرسالية والمعرفية للجامعة وهدرا للمكتسبات، ودون الدخول في التفاصيل الفنية لهذه القرارات، سنحاول في هذا المقال استشراف الصورة العامة لمحاولة فهم أين نقف وكيف نصل، ولا سيما أن ما بدأ في جامعة الملك سعود لن ينتهي فيها وسيشمل عاجلا أو آجلا غيرها من الجامعات، نظرا للثقل الريادي والمعرفي لهذه الجامعة.

وحسن ما قامت به الجامعة مؤخرا من التريث في تطبيق هذه القرارات بعد إعادة فتح مسارات القبول في البرامج الموقفة حسب الموقع الرسمي للجامعة، لكن المتابع يؤمن بأن هذا إجراء مؤقت، فالتغيير والتطوير أمران لا مفر منهما، ورحلة التغيير هي قدر حتمي ولن تكون رحلة ناعمة بل تحمل في داخلها العديد من الآمال والآلام والطموحات والتحديات، ولن يستغرب المتابع صدور هذه القرارات في هذه المرحلة بالذات، حيث تعمل قيادتنا الحكيمة على رسم ملامح المستقبل من خلال رؤية الوطن الطموحة رؤية 2030، والتي ترجمتها مبادرات برنامج تنمية القدرات البشرية التي بلغت 89 مبادرة حسب وثيقة البرنامج، وتعتبر إطارا مرجعيا لعمليات التحديث والتطوير في هذا المجال.

ولعل من حسنة هذه القرارات ذلك الحراك الكبير الذي أحدثته داخل الوسط الأكاديمي الذي عانى لسنوات طويلة من جمود ورتابة ساهما في انكفاء الجامعات على ذواتها وابتعادها عن نبض المجتمع وهمومه، حتى أصبحت الخطوات التطويرية التي تتخذها الجامعات - إن وجدت - هي مجرد رد فعل لما يصدر من جهات الاختصاص، مثل مجلس شؤون الجامعات وهيئة تقويم التعليم والتدريب، دون مبادرة ذاتية.

ولعلنا نتفق أن الإغلاق ليس هو الحل المناسب، بل أنه قد يؤدي لنشوء تحديات جديدة لم تكن بالحسبان، مثل ما حدث عند إيقاف القبول في برامج كليات التربية قبل ما يقارب العقد من الزمان، دون وجود مشروع متكامل يوضح آلية التقييم التي بنيت عليها تلك الخطوة، وكيفية التعامل مع الأقسام القائمة وأعضاء هيئة التدريس الموجودين حاليا.

وحري بنا أن نتأمل واقع البيئات الجامعية من الداخل لمحاولة فهم الدوافع خلف هذه القرارات، ومنها:

- وجود خطط دراسية تقليدية، لم تطالها يد التطوير الجذري منذ سنوات عديدة. وشبه غياب للبرامج البينية التي أصبحت إحدى ركائز التعليم العالي في العالم، وما هذا إلا نتيجة طبيعية لغياب الاستثمار في مبادرات تطوير الخطط والمناهج في الجامعات مقارنة بالمبادرات التطويرية في مجال البحث والتصنيفات الدولية والجودة والاعتماد.

- لم يكن الحديث عن مواءمة مخرجات الجامعات مع سوق العمل وليد اللحظة، بل كان هاجسا يكبر مع مرور الزمن، ولم نر للأسف خلال الفترة الماضية أية مبادرات حقيقية داخل منظومة التعليم العالي لإنشاء مراكز متخصصة في دراسة واقع سوق العمل وفق أسس علمية واضحة، والمساهمة في تطوير مؤشرات أداء داعمة للجامعات في هذا الجانب، بل قفزت الجامعات مباشرة لتجربة بعض الحلول مثل إنشاء الكليات التطبيقية التي تهدف إلى تصميم برامج توائم متطلبات سوق العمل، ولذا فإن من المناسب قياس أثر تلك المبادرات، والتحقق من مدى نجاحها لتكون أنموذجا للتطوير في الخطط الدراسية.

- غياب المشاركة الفاعلة من أعضاء هيئة التدريس في إثراء عمليات التحديث والتطوير داخل الجامعات، مما أدى إلى نشوء طبقة من الاتكالية وخروج مبادرات شكلية لا تعالج القضايا الجوهرية التي وجدت من أجلها.

- ضعف التوثيق للمبادرات والتحديات والحلول، والذي تسبب في نشوء ذاكرة جمعية هشة داخل البيئة الأكاديمية لا تستفيد من التجارب السابقة، فقد تم تجربة العديد من الحلول مثل برامج السنة التحضيرية وكليات المجتمع، وربما انتهت تلك التجارب دون تقييم حقيقي واستفادة واقعية من نتائجها.

ولأن الهم مشترك، فالوسط الأكاديمي معني بشكل كبير خلال الفترة الحالية بالمبادرة بطرح الحلول والمقترحات التي قد تساهم في إثراء النقاش في رحلة التحول لتعبر فعلا عن هموم الميدان الأكاديمي وتعالج طموحاته، ومن هذه التطلعات من وجهة نظري:

- الاستثمار في التعريف ببرنامج تنمية القدرات البشرية، كمرجعية هامة لعملية تطوير منظومة التعليم العالي في المملكة.

- أن تتبنى الجامعات أو مجلس شؤون الجامعات مأسسة عملية التحديث ضمن كيان متخصص يضمن استيعاب آراء الوسط الأكاديمي وضبط عمليات التحويل وفق منهجيات مقننة، وتقوية الجانب الاتصالي مع المهتمين، وبناء الشركات اللازمة مع جهات الاختصاص لتطوير مؤشرات واضحة يمكن الاعتماد عليها في رحلة التغيير، وهو من شأنه الاستفادة من الكوادر المتميزة في الجامعات في هذه الخطوة الاستراتيجية، وتلافي خلق تحديات جديدة قد تنشأ نتيجة للعجلة في عمليات التحديث والتطوير.

- العمل على مشروع إعادة الهيكلة الأكاديمية من خلال خطة زمنية واضحة المعالم، لإتاحة الفرصة للأقسام والكليات لتطوير برامجها الحالية أو استحداث برامج جديدة، وهذا ما لا يتعارض مع خطط الترشيد الحالية التي وإن أغلقت نافذة القبول إلا أنها أبقت الباب مفتوحا لتطوير واستحداث برامج جديدة.

- ألا يدار مشروع تمايز الجامعات الموعود بمعزل عن هذه الخطوة لضمان التكامل بين مبادرات التطوير في منظومة التعليم العالي، وكذلك المحافظة على المكتسبات العلمية والمعرفية التي بنتها الأقسام والكليات خلال السنوات الماضية.

ختاما، إن المتابع لتطورات التعليم العالي على مستوى العالم ليدرك بحق أن هذا القطاع أمام أزمات وجودية ستساهم بشكل مفصلي في تغيير هويته خلال السنوات القادمة، وإن كانت الأزمة التي سببها ربط مخرجات الجامعات بسوق العمل قد صنعت إرباكا شديدا داخل المشهد الأكاديمي، فإن التحدي الأكبر الذي سيواجه المنظومة عما قريب هو التطورات الكبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، والذي سيؤدي إلى تغيير جذري في شكل الجامعات الحالي، وقد يصبح النقاش عما قريب متعلقا بمدى الحاجة لوجود الجامعة ككيان مستقل أم لا، وهو ما أخشاه في حال لم نلحق بركب التحديث والتطوير.

أخبار ذات صلة

0 تعليق