نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قضية أمن قومي.. كواليس اغتيال مركز البحوث الزراعية.. استقطاع الأراضي وتخفيض المخصصات المالية وتفشي الشيخوخة بين الباحثين, اليوم الخميس 27 أغسطس 2026 02:15 مساءً
من المعمل إلى الحقل تبدأ حكاية الغذاء، وبينهما يقف البحث العلمي الزراعي باعتباره خط الدفاع الأول عن قدرة مصر على إنتاج غذائها ومواجهة تغيرات المناخ والآفات ونقص الموارد. لكن ماذا يحدث عندما يتقدم عمر الباحثين، وتتراجع أعداد الأجيال الجديدة، وتصبح ميزانيات البحث أقل من احتياجات المعامل والتجارب، فيما يبحث بعض العلماء عن فرص خارج البلاد؟
في هذا التحقيق، تفتح «فيتو» ملف مركز البحوث الزراعية، أحد أهم أذرع الدولة العلمية في القطاع الزراعي، وتبحث في واقع المنظومة من داخل معاملها ومحطاتها، عبر شهادات أساتذة متفرغين وكبار باحثين وقيادات سابقة وخبراء في الزراعة.
لم تكن الشهادات التي جمعتها «فيتو» متطابقة في كل تفاصيلها، لكنها التقت عند نقطة أساسية: البحث الزراعي لا يمكن أن يستمر بالقوة الذاتية للعلماء وحدها؛ فهناك احتياج إلى تمويل، وباحثين شباب، وتجهيزات، وأراضٍ لإجراء التجارب، ونظام واضح يضمن انتقال الخبرة من جيل إلى آخر
وفي المقابل، يؤكد قيادات وخبراء أن مركز البحوث الزراعية ما زال يؤدي دوره، وأن ما تحقق من زيادة إنتاجية المحاصيل، واستنباط الأصناف والتقاوي، يمثل رصيدًا علميًا لا يمكن إنكاره، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب دعمًا مستمرًا وليس الاكتفاء بما تحقق في الماضي.
«فيتو» تضع هذه الشهادات أمام المسؤولين والرأي العام، لا باعتبارها حكمًا نهائيًا على مستقبل المركز، وإنما باعتبارها جرس إنذار يستحق الإجابة: كيف نحافظ على العلم الزراعي المصري؟ ومن سيحمل راية البحث والتجربة عندما يخرج جيل العلماء الحالي إلى المعاش؟
إطلالة تاريخية
ترجع الجذور التاريخية للعمل الزراعي والبحثي المنظم في مصر إلى عام 1898، مع تأسيس الجمعية الزراعية الخديوية في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، بهدف تطوير الإنتاج الزراعي وإجراء التجارب وتحسين المحاصيل والبذور والثروة الحيوانية.
ومع تطور المؤسسات الزراعية، تغير اسم الجمعية إلى الجمعية الزراعية الملكية ثم الجمعية الزراعية المصرية عام 1954، قبل إنشاء الهيئة الزراعية المصرية عام 1956
وفي عام 1971 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 2425 بإنشاء مركز البحوث الزراعية كهيئة عامة تتبع وزارة الزراعة، لتجميع وتنظيم جهود البحث الزراعي في إطار مؤسسي موحد.
وتوسع المركز خلال العقود التالية ليضم معاهد ومعامل ومحطات بحثية متخصصة تغطي مختلف مجالات الإنتاج النباتي والحيواني والوقاية وسلامة الغذاء والهندسة الزراعية وغيرها
وبذلك يمثل مركز البحوث الزراعية حصيلة أكثر من قرن من تطور المؤسسات العلمية الزراعية المصرية، وأحد أهم الأذرع البحثية لوزارة الزراعة في دعم الإنتاج والأمن الغذائي.
يعود تاريخ منظومة البحث الزراعي في مصر إلى عام 1898 مع تأسيس الجمعية الزراعية الخديوية، التي اهتمت بتطوير الإنتاج الزراعي وإجراء التجارب وتحسين المحاصيل والثروة الحيوانية.
وفي عام 1971 صدر القرار الجمهوري رقم 2425 بإنشاء مركز البحوث الزراعية كمؤسسة متخصصة في البحث العلمي الزراعي، ثم أعيد تنظيمه بالقرار الجمهوري رقم 19 لسنة 1983.
ويعد المركز أحد أكبر المؤسسات البحثية الزراعية في مصر والمنطقة، ويضم حاليًا 16 معهدًا بحثيًا متخصصًا و13 معملًا مركزيًا ونحو 50 محطة بحثية ومزارع ووحدات بحثية متخصصة.
ويعمل بالمركز حاليا 10 آلاف باحث وعالم وموظف، وتتركز مهامه في استنباط الأصناف والهجن، وتطوير الإنتاج النباتي والحيواني، وترشيد استخدام المياه، ومواجهة الآفات والتغيرات المناخية ونقل نتائج البحوث إلى الحقول.
ويمثل المركز الذراع البحثية لوزارة الزراعة في دعم الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، من خلال إجراء البحوث التطبيقية وتقديم التوصيات الفنية والمساهمة في تطوير التكنولوجيا الزراعية الحديثة.
حوار هادئ مع من يهمهم الأمر
يرسم عدد من الأساتذة المتفرغين وكبار الباحثين ورؤساء البحوث السابقين بمركز البحوث الزراعية صورة شديدة القلق لما يجري داخل المركز، مؤكدين أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص أعداد العاملين، وإنما وصلت إلى ما يصفونه بـ«التجفيف التدريجي لمنابع العمل العلمي». ويكتسب هذا التحذير أهميته من كون أصحابه علماء أمضوا عشرات السنوات داخل معامل ومحطات المركز، وشاركوا في تدريب أجيال من الباحثين والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، وبالتالي فإن شهاداتهم تستند إلى خبرة طويلة داخل منظومة البحث الزراعي.
ويقول أحد كبار الباحثين والأساتذة المتفرغين -رفض ذكر اسمه لاعتبارات تخصه ثمن طرح هذه القضية التي وصفها بـ"شديدة الأهمية"، واضعا جوهر الأزمة في غياب صغار الباحثين، خصوصًا المعيدين ومساعدي الباحثين، وهي الفئات التي كانت تمثل القاعدة الأساسية التي يتغذى منها المركز بالكوادر الجديدة.
ويضيف: «مبقيناش نلاقي حد نشغله في معمل، مبقيناش نلاقي حد يشتغل بإيده في معامل مركز البحوث الزراعية، أصغر باحث ممكن أشغله في المعمل أصبح بدرجة أستاذ أو أستاذ مساعد، وده شيء غير معمول به في مراكز البحوث العالمية»، موضحا المعمل يحتاج إلى باحث شاب يتعامل مع الأجهزة، ويجري التجارب ويحلل النتائج ويشارك في العمل الحقلي، ثم يكتسب الخبرة ويتدرج ليحمل مسؤولية البحث العلمي مستقبلًا.
ويربط الباحثون هذه الأزمة بعدم تعيين أوائل خريجي كليات الزراعة والعلوم في التخصصات المختلفة، بعدما كانوا يمثلون مصدرًا مستمرًا لتجديد دماء المركز. ويؤكد أحدهم أن غياب هذه الفئة لم يعد مشكلة مستقبلية، بل أصبح واقعًا داخل المعامل، قائلًا: «الصغير والكبير، القاصي والداني، المتعلم وغير المتعلم يعرف أن مراكز البحوث الزراعية والمعامل لا يتم تغذيتها بصغار الخريجين من أوائل كليات الزراعة والعلوم»
15 عامًا من التراجع.. و12 عامًا من التدهور
يؤكد كبار الباحثين -الذين تحدثوا إلى “فيتو” أن الأزمة لم تظهر فجأة، وإنما تراكمت على مدار نحو 15 عامًا، بينما شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا أكثر وضوحًا في دولاب العمل البحثي، محذرين من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى توقف تدريجي للعمل العلمي، خاصة أن آثار الأزمة بدأت بالفعل في الظهور من خلال تقلص حجم الأبحاث والتجارب ونقص الباحثين القادرين على تنفيذها
يحذر أحدهم من أن لجان الترقية نفسها قد تواجه أزمة خلال السنوات المقبلة، لأنها لن تجد عددًا كافيًا من الأبحاث الجديدة لفحصها، في ظل تآكل القاعدة التي تنتج هذه البحوث. كما يصف الباحثون الهيكل الوظيفي داخل المركز بأنه أصبح «مقلوبًا»، مع تقدم أعمار الموجودين وغياب الأجيال الجديدة، مشيرين إلى أن أصغر باحث في كثير من الحالات يتجاوز 45 عامًا، بينما تضم المنظومة أعدادًا كبيرة من الأساتذة والباحثين الذين تجاوزوا 60 و70 عامًا.
ينوه كبار الباحثين إلى أن خروج هذه الأجيال إلى المعاش دون وجود صف ثانٍ وثالث يحمل الخبرة سيترك فراغًا يصعب تعويضه، ويقول أحدهم: «احنا متنبئين بتوقف دولاب العمل في البحث العلمي بمركز البحوث الزراعية قريبًا جدًا»، فيما يذهب آخرون إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل المركز خلال 5 سنوات مجرد «ذكرى أليمة»، محذرين من اندثار أحد أهم أهرامات البحث العلمي في مصر.
غياب الشباب يقتل الإبداع
ولا يرى الباحثون أن المشكلة مرتبطة بعدد الموظفين فقط، وإنما بقدرة المركز على إنتاج أفكار جديدة. ويستعيد أحد الأساتذة المتفرغين الطريقة التي كان يعمل بها مع طلاب الماجستير والدكتوراه، موضحًا أنه كان يطلب من الطالب طرح 3 أو 4 عناوين للرسالة، ثم يناقشها معه ويختار فكرة قابلة للتنفيذ وتحويلها إلى تجربة بحثية.
أما الآن، فيقول: إن هذه الحلقة تراجعت بشدة مع غياب الباحثين والطلاب الشباب، وهو ما انعكس على الأفكار والابتكار. ويؤكد أن الطالب كان يرى التفوق والحصول على تقدير مرتفع طريقًا إلى التعيين في مراكز البحوث، بينما أصبح الطالب المتفوق اليوم لا يرى أملًا واضحًا في التعيين، ما يضعف الدافع نحو التفوق والإبداع العلمي.
وتتجاوز الأزمة نقص الأعداد إلى بعض التخصصات البحثية نفسها، إذ يقول أحد الباحثين: «هناك اختفاء حاليًا لتخصصات بحثية داخل مركز البحوث الزراعية، بيشتروا أجهزة غالية جدًا ومبنلاقيش حد يعرف يشغلها، لأن اللي كان بيشغلها كبر وتقاعد أو توفى». ويؤكد أن المشكلة هنا ليست في الأجهزة، وإنما في فقدان الخبرة العلمية القادرة على تشغيلها وتصميم التجارب وتحليل نتائجها.
«المركز ما زال يعمل.. لكن بفضل قلة من الباحثين»
ورغم هذا الوضع، يؤكد الباحثون أن المركز لا يزال ينفذ ما تطلبه الدولة من تقارير ودراسات وأبحاث بفضل مجموعة محدودة من كبار الباحثين القادرين على إجراء التجارب وتحليلها واستخلاص النتائج وتقديم التوصيات، لكنهم يحذرون من أن استمرار هذا الأداء لا يعني سلامة المنظومة.
ويقول أحدهم: إن «الإبداع الجديد بحاجة إلى دم جديد»، لأن الاعتماد على مجموعة محدودة من الباحثين الأكبر سنًا قد يحافظ على الحد الأدنى من العمل لفترة، لكنه لا يضمن استمرار البحث العلمي على المدى الطويل.
ويظهر الخطر بصورة أكبر في التقاوي واستنباط الأصناف الزراعية، حيث يحذر الباحثون من أن الفترة المقبلة قد تشهد ندرة في إنتاج واستنباط التقاوي الجديدة، خصوصًا للمحاصيل الاستراتيجية، إلى جانب تراجع التجارب وتطوير الأصناف. ويقول أحدهم: «إذا معنديش دفع مستمر للإنتاج العلمي، مش هيعقبه زيادة في الإنتاج الفعلي للمحاصيل، وده هيؤدي إلى فجوة كبيرة في الأمن الغذائي».
براءات اختراع بلا طريق واضح إلى التطبيق
ويشير كبار الباحثين إلى أن مركز البحوث الزراعية يمتلك عددًا كبيرًا من براءات الاختراع والأفكار البحثية التي يعتبرونها «كنوزًا علمية»، لكن المشكلة تكمن في الانتقال من براءة الاختراع إلى التطبيق الفعلي على الأرض.
ويؤكدون أن وزارة الزراعة حاولت خلال الفترة الماضية رعاية ومتابعة عدد من الابتكارات، إلا أن كثيرًا من أصحاب براءات الاختراع لا يزالون يواجهون صعوبة في تحويل أفكارهم إلى مشروعات أو تطبيقات إنتاجية. ويرى الباحثون أن هذه المشكلة تتجاوز الوزارة وحدها، وترتبط بمنظومة الدولة في تمويل البحث العلمي وتطبيق نتائجه.
وينتقد أحد كبار الباحثين معرضًا نظمته الوزارة خلال العام الماضي لدعم الاختراعات وبراءات الاختراع والبحوث الإبداعية، معتبرًا أن ما جرى عرضه لم يعكس الهدف الحقيقي من الفعالية، إذ تم التركيز، بحسب وصفه، على النشاط التقليدي للجهات البحثية بدلًا من إبراز المخترعين وأصحاب الابتكارات الحديثة، وهو ما اعتبره مؤشرًا على الخلط بين عرض النشاط البحثي التقليدي ودعم الإبداع العلمي.
الأرض البحثية.. «الهرم الرابع» مهدد بالاختفاء
ولا تنفصل أزمة الباحثين عن أزمة الأراضي البحثية، إذ يؤكد كبار الباحثين أن تقلص المساحات التابعة لمركز البحوث الزراعية يمثل تهديدًا مباشرًا للتجارب الحقلية طويلة المدى. ويستشهدون بمحطة بحوث بهتيم في القليوبية، التي كانت تضم تجربة بحثية مستديمة امتدت لنحو 130 عامًا أو أكثر، ويصفونها بأنها كانت تمثل «الهرم الرابع في مصر» لما لها من قيمة علمية وتاريخية.
ويشير الباحثون إلى أن محطة بهتيم كانت قبل نحو 30 عامًا تؤدي دورًا مهمًا في دعم التجارب البحثية وزيادة الإنتاجية الزراعية، قبل أن تبدأ عمليات اقتطاع مساحات منها لاستخدامها في أنشطة أخرى. ويؤكدون أن ما حدث في بهتيم ليس حالة منفردة، وإنما يرون أن محطات بحثية عديدة شهدت تقلصًا في مساحاتها، ويقدر بعضهم أن الاستقطاعات في بعض المحطات وصلت إلى 50% من مساحتها.
كما يشيرون إلى تراجع ما كان يعرف بالاستمارات البحثية التي كانت تتيح للباحثين الحصول على مساحات تابعة للمركز لإجراء التجارب، مؤكدين أن تقلص هذه الأراضي يحد من قدرة الباحث على إجراء التجارب الحقلية طويلة المدى، خصوصًا أن بعض الأبحاث ترتبط بطبيعة التربة والموقع والمناخ ولا يمكن نقلها بسهولة.
ويكشف الباحثون كذلك أنه خلال العام الجاري تم نقل تبعية أكثر من 70 فدانًا من الأراضي المركزية التابعة لمركز البحوث الزراعية لاستخدامات أخرى، إلى جانب الحديث عن ترتيبات لنقل تبعية معهد بحوث المناخ، ضمن توجه لنقل بعض المعاهد والمراكز البحثية إلى مناطق صحراوية واستخدام المواقع الحالية في أنشطة استثمارية أخرى.
«الإنفاق على الرخام لا يعوض غياب الباحث»
وينتقد كبار الباحثين ما يرونه أولوية للإنفاق على المظاهر في بعض المعاهد، في الوقت الذي تعاني فيه المعامل من نقص الباحثين والفنيين والمواد اللازمة للتجارب.
ويقول أحدهم: «شالوا رخام وحطوا رخام، شالوا بلاط وحطوا بلاط، وعملوا فسقية جديدة وأنفقوا مبالغ كبيرة، ده إنفاق شكلي وليس في مصلحة البحث العلمي»، مؤكدًا أن الأولوية يجب أن تكون للباحث والمعمل والتجربة والأرض والابتكار، لأن «العلم والإنفاق عليه هو السند الحقيقي للبلد».
وتخلص شهادات الأساتذة المتفرغين وكبار الباحثين إلى أن أزمة مركز البحوث الزراعية لم تعد أزمة تعيينات أو أراضٍ أو تمويل كل منها على حدة، وإنما أزمة متشابكة تشمل تقلص أعداد الباحثين، وغياب الشباب، وتآكل التخصصات، وخروج الخبرات إلى المعاش، وتراجع الأراضي البحثية، وصعوبة تمويل التجارب، وتعثر تحويل الابتكارات إلى تطبيقات.
ويختصر أحد كبار الباحثين مخاوفه بقوله: «ازاي المكان اللي وقف مصر على رجليها في ظل ظروفها الصعبة يقفل؟ الساق العظيمة يتم بترها»، في تحذير يرى أصحابه أن تجاهله لن ينعكس على مركز بحثي فقط، وإنما قد يمتد أثره إلى الإنتاج الزراعي والتقاوي والإنتاجية والأمن الغذائي المصري.
=====================================================
أراضي مركز البحوث الزراعية تتآكل.. 500 فدان من «سخا» و225 فدانًا من «بهتيم» وأكثر من 400 فدان من «النوبارية»
من 300 مليون إلى 80 مليون جنيه.. ميزانية البحوث الزراعية تتراجع ورواتب الباحثين لا تواكب الأعباء
من 28 ألفًا إلى 6 آلاف باحث.. «الهرم الوظيفي» في البحوث الزراعية ينقلب رأسًا على عقب
يؤكد الدكتور محمد عبد السلام جبر، مدير معهد بحوث البساتين الأسبق وأستاذ متفرغ بمركز البحوث الزراعية، أن مساحات كبيرة من أراضي المركز تعرضت للاستقطاع خلال العامين الأخيرين، مشيرًا إلى استقطاع نحو 500 فدان بالكامل من محطة بحوث سخا بكفر الشيخ، التي أنشئت منذ عهد الملكية وكانت، بحسب وصفه، مؤسسة علمية كبيرة تمثل «نسخة أخرى من مركز البحوث الزراعية».
ويشير جبر إلى أن محطة بحوث بهتيم بالقليوبية، التي يصفها بأنها أول محطة بحوث زراعية في مصر، تعرضت لاستقطاع كبير، وكانت تضم تجربة مستديمة عمرها 107 سنوات عندما كان مسؤولًا عن ملف المحطة، وهي تجربة كانت واحدة من ثلاث تجارب مستديمة من نوعها على مستوى العالم، إلى جانب تجربتين في بريطانيا والهند. وكانت التجربة تهدف إلى دراسة التأثير التراكمي للأسمدة على التربة، إلا أنها أزيلت بالكامل، وتراجعت مساحة المحطة من 280 فدانًا إلى 55 فدانًا.
ويضيف أن الاستقطاعات طالت كذلك محطة كفر الحمام بالشرقية، ومحطة الصبحية الزراعية بالإسكندرية، ومحطة بحوث الحشرات بالصباحية، فضلًا عن استقطاع أكثر من 400 فدان من محطة بحوث النوبارية. كما يشير إلى استقطاع أراضٍ بحثية في الدقي بجوار وزارة الزراعة، وموقع المعمل المركزي للمناخ الزراعي بكل الصوب التابعة له، وموقع إدارة الزراعة المحمية، إلى جانب جزيرة الدهب بما تضمه من صوب زراعية.
من 24 ألف فدان إلى مساحة يصعب تحديدها
ويكشف جبر أن أراضي مركز البحوث الزراعية كانت تبلغ نحو 24 ألف فدان شاملة قطاع الإنتاج، وكانت منظومة المحطات تضم 54 محطة موزعة على مستوى الجمهورية، تشمل محطات بحوث الإنتاج الحيواني والبساتين والمحاصيل الحقلية. ويوضح أن أراضي قطاع الإنتاج لم تكن مخصصة للإنتاج التجاري فقط، إذ كان جزء منها يستخدم في الإنتاج البحثي وإنتاج التقاوي، وكانت تتم الاستعانة بها لزيادة كميات التقاوي عند الحاجة وتلبية احتياجات المزارعين.
ويؤكد أنه لا يستطيع تحديد المساحة الحالية لأراضي المركز بدقة بعد الاستقطاعات، لأن عمليات نزع الأراضي، بحسب شهادته، ما زالت مستمرة، مشيرًا إلى أن الاستخدامات التي تؤول إليها الأراضي المستقطعة تكون في كثير من الحالات بعيدة عن النشاط الزراعي، وتدخل في الطرق والكباري والإسكان، بينما يذهب جزء كبير منها إلى مشروعات عقارية.
«الأرض البحثية» ليست مجرد أصل عقاري
ويحذر جبر من أن تقليص الأراضي البحثية سيؤثر في جودة وعدد البحوث والتجارب التي يمكن تنفيذها، وبالتالي قد ينعكس على ترتيب مصر ومركز البحوث الزراعية بين المؤسسات البحثية عالميًا، كما سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد القومي.
وأوضح أن الباحث قد يعمل لسنوات على حل مشكلة زراعية تمثل جزءًا من مشكلات الاقتصاد القومي، أو تطوير صنف زراعي أو تقاوي ورفع الإنتاجية، وبالتالي فإن قيمة الأرض البحثية لا تقاس بسعرها العقاري فقط، وإنما بما تنتجه من أبحاث وابتكارات وحلول تنعكس على الإنتاج والاقتصاد.
«الأزمة ستصل إلى غذاء المواطن»
وعن تأثير تقلص الأراضي البحثية على الغذاء اليومي للمواطن، قال جبر: «نعم، سيؤثر»، موضحًا أن جزءًا من أراضي المركز كان يدخل في الإنتاج المباشر، بينما يرتبط الجزء الأخطر بإنتاج التقاوي، التي يعتبرها قضية أمن قومي.
واستشهد بأزمة البطاطس التي شهدتها مصر قبل نحو عامين أو ثلاثة أعوام، موضحًا أن طرح كميات من البطاطس التي كانت مخصصة للتقاوي في الأسواق للاستهلاك خلال الأزمة أدى، بحسب روايته، إلى ارتفاع أسعار التقاوي لاحقًا وتراجع المساحات المنزرعة وانخفاض الإنتاج في الموسم التالي.
وأشار إلى أن نحو 90% من تقاوي القمح في مصر، وفق تقديره، ترتبط بمنظومة إنتاج التقاوي، محذرًا من أن تقليص القدرة على توفيرها يمثل خطرًا على الأمن الغذائي، متسائلًا: «الفلاح لما ميلاقيش تقاوي علشان يزرع أرضه هيعمل إيه؟ هيبورها؟»، مضيفًا: «لما ميلاقيش رغيف العيش اللي بيحط فيه قرص الطعمية، إيه اللي هيحصل في البلد؟».
انتقاد لسياسة الوزارة.. «نحتاج إلى رفع قيمة البحث العلمي»
وانتقد جبر ما وصفه بعدم التقدير الكافي لأهمية وزارة الزراعة ومراكزها البحثية، معتبرًا أن آخر وزيرين للوزارة جاءا من القطاع المصرفي وليسا من أبناء الوزارة، ويرى أن خلفيتهما الزراعية المحدودة انعكست، من وجهة نظره، على تقدير أهمية الوزارة وأراضيها والعاملين بها.
«ميزانية المركز تراجعت من 300 مليون إلى 80 مليون جنيه»
ويضع جبر التمويل في قلب الأزمة، مشيرًا إلى أن ميزانية مركز البحوث الزراعية وصلت خلال فترة تولي الوزير الراحل الدكتور يوسف والي إلى نحو 300 مليون جنيه، بينما يقول إنها تراجعت إلى نحو 80 مليون جنيه في 2026.
ويربط ذلك بتراجع قدرة المعامل على العمل، موضحًا أن الميزانية لم تعد، بحسب شهادته، قادرة على تطوير وتشغيل المعامل وتوفير التركيبات والمواد الكيميائية والخامات ونقل العينات، حتى أصبح الباحث في بعض الحالات يتحمل تكلفة أبحاثه من ماله الخاص.
ويشير إلى أن راتب الباحث، وفق تقديره، يتراوح غالبًا بين 10 و12 ألف جنيه بعد البدلات والمكافآت والعلاوات، في الوقت الذي يُطلب منه إجراء أبحاث ودراسات وسفر ومهام علمية.
كما يتساءل عن مدى الالتزام بما نص عليه الدستور بشأن دعم البحث العلمي، قائلًا إن ما يحصل عليه البحث العلمي، بحسب تقديره، لا يصل إلى عُشر ما يفترض أن يحصل عليه، معتبرًا أن ذلك يمثل إهدارًا آخر للبحث العلمي.
من 28 ألف باحث إلى 6 آلاف.. «الهرم أصبح مقلوبًا»
ويكشف جبر أن عدد الباحثين في مركز البحوث الزراعية كان يبلغ نحو 28 ألف باحث عام 2011، بينما تقلص حاليًا إلى نحو 6 آلاف باحث، مؤكدًا أن المشكلة لا تتعلق بالعدد فقط، وإنما بالتركيب العمري والوظيفي.
وأوضح أن الأقسام أصبحت تضم في الغالب باحثين أول وأساتذة مساعدين ورؤساء بحوث وأساتذة، بينما اختفت تقريبًا القاعدة التي تضم الباحث المساعد ومساعد الباحث والمعيدين من أوائل الخريجين، قائلًا: «القسم عندي مفيهوش حد خالص، الهرم بقى مقلوب داخل البحوث الزراعية».
وأضاف أن أعداد الأساتذة أصبحت أكبر بكثير من أعداد الباحثين الأصغر سنًا والهيئة المعاونة، وبالتالي لم تعد هناك قاعدة كافية من الباحثين الذين يمكنهم إجراء التجارب والعمل داخل المعامل والحقول وتنفيذ المهام اليومية.
ويختتم جبر شهادته بتحذير صريح: «الوضع كارثي وسوداوي بكل تأكيد»، معتبرًا أن اجتماع استقطاع الأراضي، وتراجع التمويل، وانخفاض أعداد الباحثين، وغياب الأجيال الجديدة، يمثل تهديدًا متكاملًا لمنظومة البحث الزراعي وقدرتها على دعم الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي
«ماهر والي»: توقف البحث الزراعي يهدد الأمن الغذائي.. و20 أردبًا متوسط إنتاج فدان القمح ثمرة جهود الباحثين
من جانبه يؤكد الدكتور ماهر والي، أستاذ البساتين وعميد كلية الزراعة بجامعة الأزهر الأسبق، أن العمل داخل مركز البحوث الزراعية أصبح يعاني حالة من الجمود، مرجعًا ذلك بصورة أساسية إلى نقص التمويل والتعيينات، معتبرًا أن المشكلة «مالية بحتة».
ويحذر والي من أن تقلص أعداد الباحثين ستكون له عواقب وخيمة على الأمن الغذائي، موضحًا أن استمرار البحث الزراعي ضرورة لاستنباط سلالات جديدة تحقق إنتاجية أعلى، وتقاوم الآفات والأمراض وتحسن جودة المحاصيل. وأكد أن بعض برامج التربية واستنباط الأصناف تحتاج إلى سنوات طويلة قد تمتد من 10 إلى 30 عامًا، وبالتالي فإن توقفها ستكون آثاره ممتدة على الإنتاج الزراعي.
ويشدد على ضرورة ضخ باحثين شباب قادرين على إجراء التجارب وتطبيق نتائجها في الحقول وتقديم الإرشاد للمزارعين، مؤكدًا أن فضل مركز البحوث الزراعية في رفع إنتاجية المحاصيل، خصوصًا القمح الذي تجاوز متوسط إنتاج الفدان فيه 20 أردبًا، أمر لا يمكن إنكاره.
ويختتم حديثه بالتأكيد أن الذكاء الاصطناعي لا يغني عن العنصر البشري، وأن مصر بحاجة إلى زيادة مخصصات البحث العلمي أسوة بدول العالم.
عادل الغندور: ضعف التمويل واستقطاع الأراضي يهددان البحث الزراعي.. واستيراد التقاوي يستنزف عوائد الصادرات
يرى الدكتور عادل الغندور، الخبير الدولي في الزراعة وعضو اللجنة الاستشارية للدعم الفني لمبادرة دول حوض النيل سابقًا، أن الأزمة الحقيقية التي يواجهها مركز البحوث الزراعية تتمثل في ضعف الميزانيات المخصصة له، إلى جانب الاتجاه نحو إعادة تخصيص وسحب بعض الأراضي البحثية، وهو ما ينعكس على قدرته على إجراء التجارب وتطوير القطاع الزراعي.
ويقول الغندور إن مركز البحوث الزراعية كان محاطًا في السابق بأراضٍ زراعية، بينما تحولت مساحات واسعة حوله إلى مبانٍ، موضحًا أن التعامل مع الأراضي البحثية باعتبارها مجرد أصول يمكن نقلها إلى الصحراء يتجاهل قيمتها العلمية والاقتصادية. ويضيف: «دي أراضي بالمليارات»، محذرًا من أن استبدال الأراضي البحثية بأراضٍ صحراوية قد لا يؤدي الغرض نفسه، لأن التجارب الزراعية ترتبط بطبيعة الأرض والموقع والتربة والظروف المناخية.
«نستورد الأصناف التي نصدر بها»
ويؤكد الغندور أن مركز البحوث الزراعية ركز تاريخيًا على المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح والبقوليات، من خلال برامج التربية واستنباط الأصناف، لكنه يرى أن المحاصيل البستانية تحتاج إلى اهتمام مماثل، خصوصًا الخضر والفاكهة والنباتات الطبية والعطرية ونباتات الزينة.
ويشير إلى أن مستقبل الزراعة المصرية يرتبط بدرجة كبيرة بالمحاصيل عالية القيمة التصديرية، مثل العنب والخضر والنباتات الطبية والعطرية، مطالبًا بتخصيص اهتمام أكبر للبحوث المرتبطة بها، خاصة أن 80% من الأراضي المستصلحة في الصحراء، بحسب رؤيته، يجب توجيهها إلى المحاصيل البستانية ذات القيمة التصديرية.
ويحذر من غياب برامج تربية متخصصة للمحاصيل البستانية، قائلًا إن مصر تستورد أصناف العنب من الخارج، وتدفع مقابل استخدام حقوق الملكية وبراءات الاختراع المرتبطة بها، وكذلك تستورد أصنافًا من الفراولة من إنجلترا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، في الوقت الذي لا توجد فيه برامج وطنية كافية لإنتاج أصناف محلية.
ويضيف أن مصر تستورد كذلك تقاوي المحاصيل البستانية من الهند والصين والولايات المتحدة، رغم أن الحاصلات البستانية تمثل جانبًا مهمًا من الصادرات الزراعية وتدعم تدفقات العملة الصعبة والاقتصاد القومي، مطالبًا بإطلاق برنامج قومي لإنتاج تقاوي الخضر عالية القيمة.
ويستشهد بما تحقق في قطاع النخيل بعد إدخال أصناف مثل المجدول والبرحي، مؤكدًا أن هذه الأصناف ساهمت في زيادة الصادرات الزراعية وتحقيق عوائد تقدر، بحسب تقديره، بنحو 2 إلى 3 مليارات دولار.
100 مليار دولار صادرات.. والبحث العلمي غائب
ويربط الغندور بين تطوير البحث الزراعي وخطة زيادة الصادرات، مشيرًا إلى أن الخطة القومية تستهدف الوصول بالصادرات الزراعية إلى نحو 100 مليار دولار خلال العام الجاري، سواء من المنتجات الطازجة أو المصنعة. ويؤكد أن مصر تحتل المركز الأول عالميًا في صادرات البرتقال، كما تتزايد صادرات العنب، ما يجعل الاستثمار في تطوير الأصناف والتقاوي المحلية ضرورة اقتصادية وليس رفاهية بحثية.
ويرى أن معهد البساتين يحتاج إلى إعادة هيكلة وتوسعة، بحيث تتحول منظومة البحوث البستانية إلى كيانات أكثر تخصصًا، من بينها معهد للخضر وآخر للنباتات الطبية والعطرية وثالث للفاكهة، بما يسمح بتطوير برامج تربية وإنتاج أصناف محلية بدلًا من الاعتماد المستمر على الخارج.
مدارس بحثية غائبة.. وكل باحث يعمل منفردًا
ويضع الغندور نقص «المدارس البحثية» داخل المعاهد ضمن أسباب ضعف المنظومة، موضحًا أن خروج الباحثين إلى المعاش أو وفاتهم لا يجد من يعوض خبراتهم، لأن المعرفة لا تنتقل بصورة مؤسسية من جيل إلى آخر.
ويقول إن بعض الباحثين يحتفظون بخبراتهم لأنفسهم، فلا يعرف الباحث ما يعمل عليه زميله، ما يؤدي إلى تكرار الأبحاث وغياب التراكم العلمي. ويستشهد بتجارب بحثية في كاليفورنيا، حيث توجد مدارس بحثية متخصصة، مثل مدرسة للزيتون وأخرى للموالح، بما يضمن تراكم المعرفة وتطورها، مطالبًا بإنشاء مدارس بحثية مماثلة داخل معاهد مركز البحوث الزراعية.
كما يدعو إلى التوسع في أبحاث تكنولوجيات الزراعة الحديثة، خاصة في الأراضي الصحراوية، بدلًا من انتظار استيراد التكنولوجيا من الخارج، مؤكدًا أن جزءًا من هذه التكنولوجيات موجود بالفعل داخل معهد بحوث الأراضي والمياه، لكنه يحتاج إلى توسع وبرامج بحثية أكثر جدية.
من مكافأة الـ100 ألف جنيه إلى «باحث يبحث عن عمل آخر»
ويشير الغندور إلى أن تحفيز الباحث كان في السابق أكثر وضوحًا، مستشهدًا بمنح مكافأة تصل إلى 100 ألف جنيه للباحث الذي يستنبط صنفًا جديدًا، معتبرًا أن توقف مثل هذه الحوافز أضعف الدافع نحو الابتكار.
ويضيف أن تدني دخول الباحثين يدفع بعضهم إلى التحول تدريجيًا من باحث متفرغ للعلم إلى موظف يبحث عن مصدر دخل إضافي، وقد يتجه إلى مشروعات القطاع الخاص. ويطالب بإقرار نظام حوافز حقيقي وتحسين دخول الباحثين، حتى يتفرغوا للبحث والتطوير ويصبح الابتكار الزراعي جزءًا من منظومة مستدامة تخدم الإنتاج والصادرات والاقتصاد القومي.
مدير معهد البساتين الأسبق: «البحوث الزراعية» يتآكل تدريجيًا.. ولا نعرف إلى أين تقود خطة الهيكلة
حذر الدكتور السيد حسن شعبان، مدير معهد البساتين الأسبق، من التقلص التدريجي في أراضي مركز البحوث الزراعية، مؤكدًا أن الأمر تصاعد منذ تولي السيد القصير ثم علاء فاروق مسؤولية وزارة الزراعة، وطال مساحات بمحيط المدرسة السعيدية وكلية الزراعة بجامعة القاهرة وشارع نادي الصيد، فضلًا عن استقطاع أراضٍ من المحطات البحثية.
وقال شعبان إن العاملين بالمركز لا يعرفون حتى الآن طبيعة الخطة التي يجري إعدادها، في ظل ما وصفه ببدء عمليات هيكلة داخل قطاعات الوزارة، متسائلًا: «ما الذي يجري؟ وإلى أين ستنتهي هذه الخطة؟». وأضاف أن هناك «شيئًا يخطط في الخفاء» دون أن تتضح أهدافه أو ما إذا كان يصب في مصلحة الدولة.
وأكد أن مركز البحوث الزراعية صرح علمي لا يجوز التفريط فيه، وأن دول العالم تحافظ على مراكزها البحثية وتدعمها، مشيرًا إلى أن معظم أصناف المحاصيل الاستراتيجية المصرية، وعلى رأسها القمح والأرز، جاءت نتيجة جهود باحثي المركز، مطالبًا الدولة بمنحه الدعم اللازم، خاصة أن غالبية مبانيه ومحطاته البحثية ترجع إلى أوائل الستينيات.
شعبان سالم: 15 عامًا بلا تعيينات.. «البحوث الزراعية» يأكل من قاعدته ومصر مهددة بفقدان قلب أمنها الغذائي
يحذر الدكتور شعبان سالم، الرئيس السابق لقطاع الشئون الاقتصادية بوزارة الزراعة، من فجوة متزايدة داخل مركز البحوث الزراعية، مؤكدًا أنه منذ عام 2011 وحتى 2026 لم يتم تعيين باحثين جدد، ولم يُعلن عن وظائف باحث مساعد أو مساعد باحث، بما يعادل في الجامعات درجتي المعيد والمدرس المساعد. ويوضح أنه إذا اعتُبرت الفترة من 2011 إلى 2013 مرحلة استثنائية مرت بها الدولة، فإن الفترة من 2014 إلى 2026، أي 12 عامًا كاملة، شهدت استمرار توقف التعيينات، حتى أصبح أصغر باحث في المركز، بحسب تقديره، في حدود 45 عامًا.
ويؤكد سالم أن معدل خروج الباحثين إلى المعاش خلال السنوات الماضية أدى إلى انهيار الهرم الوظيفي، قائلًا إن المركز ظل 15 عامًا «يأكل من القاعدة» دون ضخ دماء جديدة، محذرًا من أن استمرار الوضع سيؤدي خلال 10 سنوات إلى انتهاء المركز كصرح بحثي قادر على أداء دوره.
«من ينسق خطط البحث الزراعي؟»
ويطرح سالم مشكلة أخرى تتعلق بتعدد الجهات التي تعمل في البحث الزراعي دون وجود تنسيق واضح بينها، مشيرًا إلى وجود خطط بحثية في كليات الزراعة، ومركز البحوث الزراعية، والمركز القومي للبحوث، ومركز بحوث الصحراء، وأكاديمية البحث العلمي، متسائلًا: من ينسق هذه الخطط؟ ومن يضمن تكاملها مع الأهداف القومية للزراعة؟ ويؤكد أن مركز البحوث الزراعية هو الجهة التي يفترض أن تقود البحث الزراعي قانونًا، لكن السؤال يبقى حول مدى عرض هذه الخطط عليه وتنسيقها مع استراتيجية الدولة.
ويربط ذلك بغياب البيانات والتنسيق مع القطاع الخاص، معتبرًا أن عدم وجود بيانات رسمية كافية عن أنشطة القطاع الخاص الزراعية يجعل من الصعب معرفة اتجاه القطاع أو ربط استثماراته بالخطط البحثية للدولة.
«تفريغ القطاع الزراعي من مضمونه»
ويحذر سالم من أن الأزمة لا تتعلق بالباحثين وحدهم، وإنما تمتد إلى الإرشاد الزراعي والتعاونيات والجمعيات الزراعية، قائلًا إن القطاع الزراعي يفقد تدريجيًا هيكله من الباحث والمرشد والمهندس الزراعي وصولًا إلى الخدمة المقدمة للمزارع.
ويشير إلى أن كليات الزراعة تخرج آلاف الطلاب سنويًا، متسائلًا عن مصيرهم، كما ينتقد أوضاع بعض مؤسسات التعليم الزراعي، معتبرًا أن هناك فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاع.
«البحوث هي التي رفعت إنتاجية الذرة والقمح والأرز»
ورغم انتقاداته، يؤكد سالم أن مركز البحوث الزراعية حقق طفرات كبيرة في الإنتاج، مستشهدًا بمحصول الذرة الذي ارتفع عدد النباتات فيه من نحو 11 ألف نبات للفدان إلى 24 ألفًا، إلى جانب زيادة وزن ثمرة الذرة إلى نحو ثلاثة أضعاف، فضلًا عن التطورات التي تحققت في القمح والأرز.
ويؤكد أن معاهد المركز تعمل في منظومة مترابطة؛ فمعهد الهندسة الوراثية يحافظ على الأصول الوراثية، ومعهد المحاصيل يعمل على استنباط الأصناف وإنتاج التقاوي التي يحصل عليها القطاع الخاص للإكثار، كما يعمل قسم الخضر بمعهد البساتين على تطوير شتلات جديدة.
ويختصر سالم أهمية المركز بقوله: «مركز البحوث الزراعية هو القلب الذي يضخ الدم في قطاع الزراعة كله»، مؤكدًا أن الجامعات لا تستطيع أن تحل محل المركز، لأن لكل جهة دورها، محذرًا من أن انهيار منظومة التقاوي وكفاءة استخدام المياه يعني ضرب ركيزتين أساسيتين للأمن الغذائي.
ويستعيد سالم تاريخ الهيئة الزراعية المصرية التي أنشئت في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1898، قبل إنشاء وزارة الزراعة، بهدف النهوض بالبحث والإنتاج الزراعي، ثم تطورت إلى الجمعية الزراعية الملكية والجمعية الزراعية المصرية، قبل تنظيمها كهيئة مستقلة عام 1956، مؤكدًا أن هذا الإرث العلمي لا يجوز التفريط فيه، مختتمًا تحذيره بالقول: «الجوع يولد الكفر، وبالتالي يجب حماية أمننا الغذائي».
«البحوث الزراعية» من قلب المحطات.. ربيع مصطفى يكشف قصة استقطاع الأراضي وتراجع الدعم: 60% من قوة المركز مهددة و5 سنوات تفصلنا عن أزمة الأصناف والتقاوي
يؤكد الدكتور ربيع مصطفى، أستاذ النباتات الطبية والعطرية بمركز البحوث الزراعية ووكيل وزارة الزراعة الأسبق بمحافظة الفيوم والمدير السابق للمحطة الإقليمية لشرق الدلتا وسيناء، أن أزمة مركز البحوث الزراعية لا تقتصر على المركز الرئيسي، وإنما تمتد بصورة أكبر إلى المحطات الإقليمية التي تمثل، بحسب تقديره، نحو 60% من قوة المركز البحثية، موضحًا أن هذه المحطات كانت تؤدي دورًا مباشرًا في حل مشكلات المزارعين وإجراء التجارب الحقلية، قبل أن تتراجع إمكانياتها تدريجيًا.
ويقول مصطفى إنه عندما كان مديرًا لمحطة بحوث البساتين بالقصاصين، كانت المحطات البحثية تعمل بصورة جيدة حتى عام 2002، لأن الدولة كانت توفر للباحث الإمكانيات اللازمة، بما في ذلك وسائل الانتقال والسلف المؤقتة لإجراء التجارب. ويوضح أن الوضع تغير بعد صدور قرار من مركز البحوث الزراعية بتقليص الدعم المقدم للباحث، بحيث أصبح المركز يوفر المياه والأرض فقط، بينما يتحمل الباحث مستلزمات الإنتاج على نفقته الخاصة.
ويصف مصطفى هذا القرار بأنه أحد أسباب تراجع البحث العلمي داخل المحطات، حيث اضطر عدد من الباحثين إلى العمل في مشروعات ومزارع وشركات خاصة لتوفير دخل لأسرهم، وهو ما انعكس سلبًا على الوقت والجهد المخصصين للعمل البحثي. ويؤكد أن العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا واضحًا في إجراء التجارب، وأن جزءًا من البحوث أصبح يُنفذ بصورة محدودة بسبب غياب الإمكانيات اللازمة.
أجهزة متطورة بلا صيانة.. ووسائل انتقال غائبة
ويشير أستاذ النباتات الطبية والعطرية إلى أن مركز البحوث الزراعية كان يتميز بامتلاك أجهزة معملية متطورة ونوعية وصلت إليه من خلال مشروعات مختلفة، إلا أن عدم الصيانة والتحديث أدى إلى تراجع كفاءة عدد من هذه الأجهزة، خصوصًا الأجهزة القديمة التي يرجع بعضها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ويحذر من أن الأجهزة غير المعيارية أو التي لا تعمل بالكفاءة المطلوبة لا تعطي نتائج دقيقة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة البحث العلمي، لأن الباحث يبني استنتاجاته وتوصياته على نتائج التحاليل والتجارب، مؤكدًا أن ضعف الإمكانيات المعملية أسهم في تراجع مستوى بعض الأبحاث وإضعاف العملية البحثية داخل المحطات.
ولا يقتصر الأمر، بحسب شهادته، على الأجهزة، وإنما امتد إلى وسائل انتقال الباحثين. ويوضح أن كل محطة كانت تمتلك في السابق سيارة أو أتوبيسًا لنقل الباحثين من منازلهم إلى المحطات، وهو ما كان ضروريًا بسبب وجود كثير من المحطات في مناطق نائية، لكن هذه الخدمة تراجعت خلال السنوات الأخيرة، فأصبح الوصول إلى المحطات أكثر صعوبة، الأمر الذي انعكس على انتظام الباحثين وتنفيذ التجارب والمزارع البحثية.
ويقول إن محطات البحوث كانت في الثمانينيات والتسعينيات قوية وتؤدي دورها بكفاءة، بينما بدأت بعد عام 2002 في فقدان جانب كبير من الباحثين والزراعات والتجارب، معتبرًا أن تراجع النشاط البحثي سبق لاحقًا عمليات استقطاع بعض الأراضي واستخدامها في أنشطة أخرى.
«60 % من قوة المركز في المحطات».. وتراجع الاهتمام بالكفاءات
ويرى مصطفى أن هناك إشكالية داخلية تتمثل في التركيز على الباحثين في المركز الرئيسي، مقابل ضعف الاهتمام بالباحثين الموجودين في المحطات الإقليمية، رغم أن هذه المحطات تتعامل بصورة مباشرة مع الظروف الزراعية المختلفة ومشكلات المزارعين في المحافظات.
ويؤكد أن إدارة المركز أهملت، في رأيه، عددًا من المواهب والكفاءات والمتميزين، رغم قدرتهم على تقديم حلول ومشروعات بحثية مؤثرة، مستشهدًا بالدكتور عبد المنعم الجندي صاحب تجربة «عيش البطاطا»، التي تقوم على خلط البطاطا بالقمح بهدف تقليل استخدام القمح، معتبرًا أن مثل هذه النماذج تحتاج إلى دعم حقيقي من حيث الدخل والأدوات والإمكانيات البحثية ووسائل الانتقال.
ويضيف أن مركز البحوث الزراعية سبق أن شهد نماذج إدارية كانت تعطي المحطات أهمية كبيرة، مستشهدًا بالدكتور عبد السلام جمعة الذي تولى إدارة المركز، والدكتور أمين عكاشة، مدير معهد البساتين، قائلًا إن الأخير كان يؤكد للباحثين عند تعيينهم ضرورة التوجه إلى المحطات لأن «الشغل كله في المحطات»، وكان يدعم صرف السلف اللازمة لإجراء التجارب، وهو ما لم يعد متاحًا بالصورة نفسها حاليًا.
162 فدانًا بالقصاصين و35 فدانًا بكفر الحمام.. و80 فدانًا من محطة الإسماعيلية
ويربط مصطفى بين ضعف الإمكانيات وتراجع التجارب وبين تقلص الأراضي البحثية، مشيرًا إلى أن محطة بحوث البساتين بالقصاصين تبلغ مساحتها 162 فدانًا، وقد تم استقطاع 20 فدانًا من أرض المزرعة لإقامة مشروع لتدوير المخلفات.
ويؤكد أن إقامة هذا النشاط داخل الأرض البحثية تمثل استخدامًا لمساحة كان يمكن الاستفادة منها في التجارب الزراعية، مطالبًا بالحفاظ على الأراضي المخصصة للبحث العلمي وعدم تقليص المساحات التي يحتاجها الباحثون لإجراء التجارب الحقلية.
ويشير كذلك إلى أن أرض محطة كفر الحمام بالشرقية، التي كانت تبلغ 35 فدانًا من أجود الأراضي الطينية القديمة، وكانت تستخدم في إنتاج تقاوي القمح، تم تحويلها إلى مساكن. كما يؤكد أن محطة الإسماعيلية كانت تضم نحو 200 فدان، استُقطع منها 80 فدانًا لإقامة مشروعات واستخدامات أخرى.
تقليص المزارع البحثية يهدد الأصناف والتقاوي خلال 5 سنوات
ويحذر مصطفى من أن استمرار قلة مساحات المزارع البحثية سيؤدي إلى تقليص قدرة الباحثين على إجراء التجارب الحقلية، وهو ما سينعكس على استنباط أصناف جديدة من الخضر والفاكهة والمحاصيل، وإنتاج أصناف أكثر مقاومة للملوحة والظروف البيئية المختلفة، وبالتالي قد تصبح الإنتاجية أقل من احتياجات المزارع.
ويضع مصطفى إطارًا زمنيًا لخطر استمرار الوضع الحالي، مؤكدًا أن النتائج ستظهر بصورة أكبر خلال 5 سنوات، عندما يصبح المركز أقل قدرة على استنباط وإنتاج أصناف وتقاوي جديدة قادرة على مواجهة التغيرات المناخية والأمراض والآفات الحشرية التي قد تظهر نتيجة تغير الظروف البيئية.
كما يحذر من أن محطات الأرصاد المنتشرة على مستوى الجمهورية لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة، ما قد يؤدي إلى فقدان جزء من القدرة على الرصد والتنبؤ المبكر بالتغيرات المناخية، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لا يغنيان عن وجود باحثين ومتخصصين داخل المراكز لرصد الظواهر وتحليل نتائجها وتقديم التوصيات العلمية.
لجنة لإعادة الهيكلة.. «قدمنا تصورا لحل مشكلات المحطات البحثية فكانت النتيجة الإقصاء»
ويكشف مصطفى أنه كان عضوًا في لجنة لتقييم المحطات البحثية وإعادة هيكلتها، برئاسة الدكتور محمد جبر، وأن اللجنة قامت بالنزول إلى المحطات وإعداد تصور يستند إلى الواقع والمشكلات الفعلية، ثم قدمته إلى رئيس مركز البحوث الزراعية.
لكن، بحسب شهادته، لم يتم الأخذ بهذا التصور، بل تم استبعاد أعضاء اللجنة، معتبرًا أن طرح المشكلات ومحاولة إيجاد حلول لها لم يحظَ بالاستجابة المطلوبة، ويرى أن استمرار تجاهل هذه المشكلات يفتح الباب أمام نقل تبعية الأراضي البحثية واستخدامها في أنشطة أخرى أو استثمارها بعيدًا عن الغرض الذي أنشئت من أجله.
ويختتم الدكتور ربيع مصطفى شهادته بالتأكيد على أن إنقاذ المحطات لا يحتاج فقط إلى الحفاظ على الأرض، وإنما إلى إعادة الاعتبار للباحث، وتوفير التمويل والأجهزة والصيانة ووسائل الانتقال، والاستفادة من الكفاءات الموجودة، لأن المحطة البحثية هي الحلقة التي تنقل البحث من المعمل إلى الحقل، ومن الحقل إلى المزارع، وإضعاف هذه الحلقة يعني في النهاية إضعاف قدرة مركز البحوث الزراعية على تقديم حلول حقيقية للقطاع الزراعي.
===============================================
«تصفية كاملة».. نهى الدسوقي: الهرم الوظيفي مقلوب منذ 10 سنوات وبيع الأراضي يهدد مستقبل «البحوث الزراعية»
تكشف الدكتورة نهى الدسوقي، الأستاذ المساعد بمعهد بحوث أمراض النباتات، قسم أمراض الخضر، عن صورة شديدة القلق لما تصفه بأنه «تصفية» تدريجية لمركز البحوث الزراعية والمعاهد والمراكز التابعة له، مؤكدة أن الأمر تجاوز، بحسب روايتها، استقطاع بعض الأراضي إلى بيع ونقل تبعية مواقع بحثية بالكامل.
وتقول الدسوقي إن قطعة الأرض التابعة للمركز في الدقي تم طرحها في مزاد رسمي وبيعها، مشيرة إلى أن تعليمات صدرت خلال الأيام الأخيرة بإخلاء مواقع تضم المعمل المركزي لمتبقيات المبيدات ومعامل صحة الحيوان والوقاية في الدقي، على أن يتم توزيع الباحثين في أماكن أخرى، فيما لم يتحدد لهم، بحسب روايتها، بديل مجهز حتى الآن.
وتضيف أن عام 2021 شهد حصرًا لممتلكات وزارة الزراعة، أعقبه، وفق روايتها، بيع عدد من المحطات والأراضي التابعة لمركز البحوث الزراعية، ومن بينها محطة الصباحية التي أقيم مكانها مجمع سكني، بينما ظل الباحثون العاملون بها، بحسب شهادتها، في منازلهم لمدة عامين. وتشير إلى أن هناك اتجاهًا لنقل الباحثين إلى موقع بمنطقة وصلة دهشور، دون الانتهاء حتى الآن من تجهيز البديل.
وتؤكد أن الهرم الوظيفي داخل المركز والمعاهد البحثية «مقلوب» منذ نحو 10 سنوات، وأن آخر إعلان للتعيينات كان في 2011، معتبرة أن استمرار غياب التعيينات يهدد مستقبل المركز مع خروج الأجيال الحالية إلى المعاش.
وتربط الدسوقي بين عدم تعيين الباحثين وما تصفه بأنه توجه نحو تصفية المركز، قائلة إن الخطة المستهدفة، بحسب روايتها، هي «التخلص من كل الباحثين» مع خروجهم إلى المعاش. كما تشير إلى أن مساحة الأراضي البحثية التابعة للمركز بالرئيسي بالجيزة كانت أكثر من 500 فدان، وتقول إنها استُقطعت بالكامل، وتختتم شهادتها قائلة: «إحنا في وضع مأساوي»
نقيب الزراعيين: تدني الأجور وتمويل البحث العلمي يدفعان الباحثين للهجرة.. والهرم الوظيفي «مقلوب»
فيما حذر الدكتور السيد خليفة، نقيب الزراعيين، من تأثير ضعف المخصصات المالية للبحث العلمي الزراعي وتدني أجور الباحثين على مستقبل المنظومة البحثية، مؤكدًا أن الباحث يحتاج إلى راتب يوفر له حياة كريمة وتمويل يتيح له التفرغ لإجراء التجارب وإنتاج أصناف وتقاوي جديدة عالية الإنتاجية.
وأوضح أن إجمالي ما يتقاضاه الباحث بدرجة أستاذ في مركز البحوث الزراعية لا يتجاوز 15 ألف جنيه، معتبرًا أن هذا المستوى من الدخل لا يتناسب مع قيمة الباحث وجهوده، ويدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن فرص خارج مصر، كاشفًا عن هجرة عدد من الباحثين إلى دول الخليج والدول الغربية من خلال الحصول على إجازات والسفر للعمل.
وأشار إلى أن زيادة أعداد الباحثين وحدها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها تمويل قوي للبحث العلمي، قائلًا إن «وفرة الباحثين من دون وفرة الدعم المالي ليس لها قيمة»، مطالبًا بزيادة مخصصات البحث الزراعي في الموازنة، إلى جانب تحسين أجور الباحثين.
ولفت خليفة إلى اختلال الهرم الوظيفي داخل المركز، موضحًا أن العدد الأكبر أصبح من الأساتذة والأساتذة المتفرغين، بينما تراجعت أعداد الباحثين المساعدين ومساعدي الباحثين، وهي الفئات الأصغر سنًا التي تمثل قاعدة التجديد والاستدامة، مؤكدًا ضرورة الإسراع في خطة إحلال وتجديد وضخ دماء جديدة.
وفي المقابل، أشاد خليفة بما يقدمه مركز البحوث الزراعية من جهود مستمرة، مؤكدًا أنه رغم التحديات ونقص الأعداد، ما زال يؤدي دوره ولم تتوقف محطاته البحثية عن العمل، كما يواصل الباحثون إجراء التجارب الصيفية والشتوية، فضلًا عن وجود كوادر شابة مؤهلة حصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعات ومؤسسات علمية في أمريكا والصين وأوروبا، بما يمثل رصيدًا يمكن البناء عليه لدعم مستقبل البحث الزراعي المصري.
================================================
مركز البحوث الزراعية يرد: لدينا 6 آلاف باحث.. والأزمة في الصف الثاني والثالث
في المقابل يؤكد الدكتور مصطفى عطية، المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية، أن هناك بالفعل نقصًا في التعيينات منذ فترة طويلة، موضحًا أن المركز لديه حاليًا ما يقرب من 6 آلاف باحث ومستشار موزعين على المحطات البحثية المنتشرة في مختلف أنحاء الجمهورية، إلى جانب المركز الرئيسي للبحوث الزراعية بالجيزة. لكنه يرى أن تقييم قوة المركز لا يجب أن يعتمد فقط على عدد الباحثين، وإنما على طبيعة المعرفة الفنية والخبرة المطلوبة لتنفيذ المهام بكفاءة، مؤكدًا أن زيادة أعداد الباحثين لا تعني بالضرورة تحقيق نتائج عملية إذا لم ينعكس العلم النظري على تطبيقات ملموسة تخدم القطاع الزراعي.
وهناك نقص في قطاع البحث الزراعي، لكنه يضع الأزمة في سياق أوسع يتعلق بمنظومة البحث العلمي نفسها، مشيرًا إلى أن كليات الزراعة تضم أعدادًا كبيرة من الأساتذة والباحثين في مختلف التخصصات، وربما يفوق عددهم الموجودين في مركز البحوث الزراعية، إلا أن المخرجات في جانب كبير منها ذات طبيعة أكاديمية، بينما تختلف طبيعة العمل داخل مركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء باعتبارهما الذراعين البحثيين لوزارة الزراعة، حيث ينصب التركيز الأساسي على الأبحاث التطبيقية والتجارب الحقلية التي يمكن تحويل نتائجها إلى خدمة مباشرة للقطاع الزراعي.
ويؤكد عطية أن هذا الدور التطبيقي كان أحد أسرار نهضة الزراعة المصرية خلال العقود الماضية، قائلًا إنه لولا مركز البحوث الزراعية ومركز بحوث الصحراء لواجهت مصر أزمات غذائية حادة ومجاعة منذ فترة طويلة. ويستشهد بما تحقق في إنتاجية المحاصيل والسيطرة على الأمراض، موضحًا أن مصر كانت في الماضي تسجل أرقامًا منخفضة في إنتاجية العديد من المحاصيل، وكانت الإصابات المرضية مرتفعة، قبل أن تسهم برامج التربية والهندسة الوراثية وطرق الإنتاج وتحسين وتطوير الأصناف والتقاوي في رفع الإنتاجية والوصول إلى مستويات أفضل بكثير.
فجوة الصف الثاني والثالث
ورغم تأكيده أهمية الخبرة والكفاءة، لا ينكر المتحدث الرسمي وجود فجوة واضحة في الهيكل البحثي، ويقول إن هناك نقص سواء فيما يتعلق بالبحث العلمي أو تعيين الباحثين الجدد، معتبرًا أن المركز يواجه في هذا الملف ظروفًا مشابهة لما تواجهه قطاعات أخرى في الدولة، إلا أنه يحاول التعامل معها من خلال رفع كفاءة الأبحاث التطبيقية والاستفادة من الخبرات الموجودة.
ويقول عطية عن الفجوة العمرية داخل المركز، إن متوسط أعمار أغلب الباحثين يتجاوز 50 عامًا، وإن المشكلة لا تتعلق بزيادة متوسط العمر، وإنما بعدم وجود صف ثانٍ وثالث.
ويضيف أن الاعتماد على باحثين تجاوزوا الأربعين أو الخامسة والأربعين يظل ممكنًا في حدود معينة، لكن استمرار إجراء الأبحاث والتجارب بصورة متقدمة يحتاج إلى ضخ أجيال جديدة، لأن العمل البحثي يتطلب وقتًا وجهدًا واستمرارية في المعامل والحقول، وهي مسؤولية يصعب تحميلها بالكامل على جيل واحد يتقدم في العمر.
التعيينات غائبة.. والمكافآت تحافظ على استمرار بعض المعامل
وعن كيفية استمرار العمل في ظل غياب التعيينات الجديدة، يوضح المتحدث الرسمي أن المركز يلجأ في بعض الحالات إلى مشروعات تعمل بنظام المكافأة، بما يسمح باستقطاب عناصر من الخريجين يمكنها العمل داخل المعامل وتقديم الخدمات البحثية والفنية التي يحتاجها المجتمع.
ويشير إلى أن بعض هذه الخدمات تتيح للباحثين باستمرار دورة العمل داخل بعض المعامل البحثية في ظل محدودية التعيينات.
ويؤكد أن الصورة ليست واحدة داخل جميع المعاهد والمراكز البحثية، موضحًا أن هناك معامل ما زالت تعمل بكفاءة بسبب طبيعة الخدمات الحيوية والمؤثرة التي تقدمها، بينما تراجع دور بعض المعاهد الأخرى نتيجة تغير طبيعة الاحتياجات والطلب على خدماتها.
«الأصول لا تباع»
وبشأن ما يثار حول تقلص مساحات الأراضي التابعة لمركز البحوث الزراعية، يضع الدكتور مصطفى عطية الأمر في إطار سياسة أوسع للدولة لإعادة استغلال الأصول غير المستغلة، مؤكدًا أن إعادة توظيف الأصول تشمل الأراضي التي تعد من أملاك الدولة.
ويقول إن الدولة تعمل على «إعادة تدوير» هذه الأصول والاستفادة منها بصورة أفضل، موضحًا أن طبيعة إدارة الأصول يمكن أن تتغير من فترة إلى أخرى وفقًا للظروف والاحتياجات.
ويؤكد أن الأصول لا تختفي بمجرد تغيير طريقة إدارتها، قائلًا إن «الأصول لا تباع، هي موجودة في الدولة، ولكن تدار بشكل أفضل»، مشددًا على أن هذه الإجراءات تتم تحت الرقابة والمتابعة.
نقلا عن العدد الورقي


















0 تعليق