نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«تقويم 2020 ما زال معلقًا».. كيف تحولت “ريري” من أشهر غذاء أطفال في مصر إلى اسم يبحث عن مكانه في الذاكرة؟ (صور), اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 10:26 مساءً
لم يكن أكثر ما لفت انتباهي داخل مقر شركة “ريري” عبوات غذاء الأطفال المصطفة بعناية على الأرفف، ولا صورة المؤسس التي لا تزال تهيمن على المكتب، ولا حتى الشعار الأحمر الذي عرفته أجيال من المصريين. كانت المفاجأة الحقيقية ورقة تقويم معلقة على الحائط، توقفت عند عام 2020.
لم يبدُ الأمر مجرد إهمال في تغيير التقويم، بل بدا وكأنه رمز لحكاية كاملة. الزمن هنا لم يتوقف على الجدار فقط، بل توقف أيضًا عند علامة تجارية كانت، لسنوات طويلة، واحدة من أكثر الأسماء حضورًا في بيوت المصريين.




كان “ريري” يومًا ما اسمًا يعرفه الجميع، واليوم صار كثير من الشباب لا يعرفون أنه كان أحد أشهر منتجات غذاء الأطفال في مصر.
من رفوف كل بيت إلى ذاكرة جيل كامل
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت المنافسة في سوق أغذية الأطفال مختلفة تمامًا عما هي عليه الآن. لم تكن الأرفف تمتلئ بعشرات العلامات التجارية المستوردة، وكانت الأسرة المصرية تعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات المحلية.
وسط هذا المشهد، استطاعت “ريري” أن تصنع لنفسها مكانة استثنائية.

في الصيدليات ومحال البقالة والسوبر ماركت، كانت عبواتها حاضرة باستمرار، بينما ارتبط شعار الطفل الرضيع في أذهان الأمهات باعتباره علامة على منتج مصري يمكن الوثوق به.
لم يكن النجاح مصادفة، فالشركة قدمت تشكيلة واسعة من المنتجات، من القمح باللبن، والأرز باللبن، إلى الفواكه والخضروات، مع حملات دعائية جعلت الاسم مألوفًا حتى لمن لم يكن لديه أطفال.
كان “ريري” جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، مثلما كانت هناك علامات مصرية أخرى استطاعت أن تفرض حضورها في الأسواق قبل موجة الانفتاح والمنافسة العالمية.

داخل المكتب… الزمن لم يغادر
الدخول إلى مقر الشركة يشبه الدخول إلى أرشيف مفتوح.
الجدران الخشبية ما زالت كما هي، وصورة المؤسس تتصدر المكان بابتسامة هادئة، بينما تقف عبوات قديمة وحديثة جنبًا إلى جنب، وكأنها تروي مراحل مختلفة من عمر الشركة.
لكن أكثر المشاهد تأثيرًا كان ذلك التقويم.
عام 2020 ما زال معلقًا على الحائط.
لم يحل محله تقويم جديد، ولم تُنتزع ورقاته الأخيرة.
قد يكون السبب بسيطًا، وربما لا يحمل أي دلالة مقصودة، لكن بالنسبة للصحفي أو المصور، تتحول الأشياء الصغيرة أحيانًا إلى استعارات كبيرة.
ذلك التقويم بدا وكأنه يلخص رحلة علامة تجارية توقفت عند لحظة معينة، بينما واصل السوق حركته السريعة دون انتظار أحد.

عندما تغير السوق
لم تختف “ريري” فجأة لكن السوق الذي كانت تتصدره تغير بالكامل.
خلال العقود الأخيرة، دخلت علامات تجارية عالمية ومحلية جديدة، وازدادت المنافسة، وتغيرت أساليب التسويق، وأصبح القرار الشرائي للأمهات يعتمد على عوامل أكثر تعقيدًا، من الحملات الرقمية إلى توصيات الأطباء، ومن الانتشار الواسع في سلاسل البيع الحديثة إلى قوة العلامة التجارية على وسائل التواصل الاجتماعي.



في المقابل، أصبحت أسماء كثيرة كانت يومًا رموزًا للصناعة المصرية أقل حضورًا مما كانت عليه.
لم تعد السيطرة تعتمد فقط على جودة المنتج، بل على الاستثمار المستمر في التطوير والتسويق والتوزيع، وهي معادلة تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة.

ليست مجرد عبوة غذاء
وأنت تتجول داخل المقر، تدرك أن “ريري” لم يكن مجرد منتج غذائي.
كان جزءًا من ذاكرة اجتماعية.
هناك آباء وأمهات أصبحوا اليوم أجدادًا، ما زالوا يتذكرون العبوة، وشعار الطفل، والإعلانات التي كانت تظهر على شاشة التلفزيون، ورفوف الصيدليات التي لم تكن تخلو منه.
لهذا السبب، فإن الحديث عن “ريري” لا يتعلق بالحنين فقط، بل بتاريخ صناعة مصرية استطاعت في وقت ما أن تنافس بقوة داخل السوق المحلي.
لماذا تراجعت العلامات المصرية؟
الإجابة ليست بسيطة فأي علامة تجارية قد تتأثر بتغيرات السوق، والمنافسة، وتبدل أنماط الاستهلاك، واستراتيجيات التسويق، وقوة شبكات التوزيع، وتغير أولويات المستهلكين.
لكن ما يمكن ملاحظته بوضوح أن السوق الذي منح “ريري” مكانته في الثمانينيات لم يعد هو السوق نفسه اليوم.
فالمنافسة أصبحت أكثر شراسة، والمستهلك أكثر تنوعًا في خياراته، والمنتج الذي لا يطور حضوره باستمرار قد يفقد جزءًا من مكانته، مهما كان تاريخه.
الحنين وحده لا يكفي
في السنوات الأخيرة، شهدت علامات مصرية قديمة محاولات للعودة إلى الواجهة، مستفيدة من موجة الحنين إلى المنتجات التي ارتبطت بذكريات الطفولة.
لكن العودة لا تتحقق بالذكريات وحدها العلامة التجارية تحتاج إلى رؤية جديدة، وتطوير للمنتج، وتسويق يناسب جيلًا لم يعش الثمانينيات، ولا يعرف من “ريري” سوى ما يرويه الآباء.

لقطة أخيرة
قبل مغادرة المكتب، عدت بعيني مرة أخرى إلى التقويم.
ورقة تحمل تاريخ 2020، معلقة في مكانها منذ سنوات.
ربما نسي أحدهم استبدالها، وربما لم يعد أحد يهتم بذلك.
لكن بالنسبة لي، لم تكن مجرد ورقة.
كانت عنوانًا بصريًا لقصة كاملة.
قصة علامة تجارية مصرية نجحت في أن تصبح الاسم الأول في سوق غذاء الأطفال لعقود، ثم تراجع حضورها مع تغير الزمن وتبدل قواعد المنافسة.
وبين صورة المؤسس، والعبوات التي ما زالت تحتفظ بألوانها، وتقويم لم يغادر عام 2020، يبقى السؤال معلقًا على الجدار نفسه:
هل يتوقف الزمن داخل الشركات العريقة عندما يتراجع بريقها، أم أن هناك دائمًا فرصة لفتح صفحة جديدة في التقويم؟


















0 تعليق