نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الرغيف ليس حقل تجارب, اليوم الأربعاء 17 يونيو 2026 01:02 مساءً
لا يكاد يعلو في مصر اليوم حديث فوق صوت التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، خاصة بعد التصريحات المتتالية التي تؤكد أن الحكومة تدرس مختلف السيناريوهات والبدائل، مستفيدة من تجارب دولية ونماذج متعددة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ولا أحد يختلف على أن منظومة الدعم الحالية تعاني من أوجه قصور وهدر وفاقد، وأن تطويرها أصبح ضرورة لا رفاهية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبح الخبز وحده مسؤولًا عن الهدر في الموازنة العامة؟ وهل نجحنا أولًا في ترشيد كل أبواب الإنفاق الأخرى حتى أصبح الرغيف المدعم هو الحلقة التي يجب أن تبدأ منها عملية الإصلاح؟
إن الحديث عن الدعم النقدي لا ينبغي أن يقتصر على مزاياه النظرية، بل يجب أن يمتد إلى دراسة آثاره الواقعية على مجتمع يضم ملايين الأسر محدودة الدخل التي تعتمد على رغيف الخبز باعتباره خط الدفاع الأخير في مواجهة الغلاء.
لقد طرح عدد من الخبراء والبرلمانيين تساؤلات مشروعة لا يجوز القفز فوقها. ماذا سيحدث إذا دخل عشرات الملايين من المستفيدين إلى سوق الخبز الحر دفعة واحدة؟ وهل ستصمد الأسعار أمام هذا الطلب الهائل وفقًا لقوانين العرض والطلب؟ ومن سيتولى إدارة منظومة القمح والدقيق بعد تراجع دور الدولة؟ وهل تملك الأسواق من الضمانات ما يكفي لحماية الفلاح والمستهلك معًا من تقلبات الاحتكار والمضاربات؟
ثم ماذا عن قيمة الدعم النقدي نفسها؟ هل ستظل قادرة على شراء الاحتياجات ذاتها بعد عام أو عامين أو حتى عدة أشهر في ظل معدلات التضخم وتقلبات الأسعار؟ إن النقد يفقد جزءًا من قيمته بمرور الوقت، أما الرغيف فيظل رغيفًا، مهما تبدلت الأرقام على الأوراق.
ومن هنا تبدو المخاوف التي أبداها بعض النواب والخبراء جديرة بالتأمل، خاصة ما يتعلق بإمكانية ضخ سيولة نقدية ضخمة في الأسواق دون وجود قاعدة بيانات مكتملة وآليات رقابة صارمة، بما قد يفتح الباب أمام موجات تضخمية جديدة يتحمل المواطن البسيط كلفتها أولًا وأخيرًا.
إن الدولة حين حررت سعر الصرف كانت تستهدف معالجة اختلالات اقتصادية مزمنة، وقد تحمل المواطن المصري فاتورة ثقيلة لذلك القرار وما زال يدفع آثارها حتى اليوم. أما الرغيف المدعم فليس مجرد سلعة اقتصادية، بل يمثل ركنًا أساسيًا من أركان الأمن الاجتماعي والغذائي لملايين الأسر. ومن ثم فإن تحريره أو تغيير فلسفة دعمه لا يمكن أن يُعامل باعتباره قرارًا إداريًا عاديًا أو تجربة قابلة للتعديل بعد التطبيق.
نعم، قد تخطئ الحكومة إذا أبقت على الدعم العيني بصورته الحالية وما يشوبه من هدر وتسرب. لكن هذا الخطأ، إن وُجد، يظل أقل كلفة من مغامرة قد تدفع الوطن إلى منطقة مجهولة العواقب. فحين يتعلق الأمر بقوت الفقراء، تصبح الحيطة واجبة، والتدرج ضرورة، والتجربة المحدودة قبل التعميم أمرًا لا غنى عنه.
إن إصلاح منظومة الدعم هدف مشروع، لكن حماية المواطن هدف أوجب. وبين كفاءة الإنفاق وأمن المجتمع يجب ألا ننسى أن الرغيف ليس مجرد رقم في الموازنة، بل هو صمام أمان اجتماعي لا يحتمل المجازفة.. فاحذروا يا أولي الألباب.


















0 تعليق