من وحي الفؤاد

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من وحي الفؤاد, اليوم السبت 18 أبريل 2026 09:01 مساءً

لم تكن أسرة «المرداد» أو «أميرداد»، من الأسماء العابرة في تاريخ مكة المكرمة، بل كانت من البيوت التي اتسع أثرها وتنوعت وجوه عطائها؛ من الخطابة إلى القضاء، ومن التعليم إلى الإفتاء، ولم يكن حضورها وليد اسم متداول، بل ثمرة امتداد علمي تتابعت فيه الأجيال؛ وفي تراجم رجالاتها ما يكشف هذا المعنى بجلاء، فقد برز فيهم كثير ممن أثروا في الحياة العلمية والعملية، في زمن كانت فيه هذه المواقع تكتسب بالجدارة قبل أن تعرف بالألقاب.

في تراجم هذه الأسرة يرد في أحد فروعها لقب «أبو الخير»، وهو لقب غلب على الشيخ أحمد بن عبد الله مرداد، المولود بمكة عام 1259هـ، والمتوفى عام 1335هـ، الذي عرف باسم «أحمد أبو الخير بن عبدالله مرداد»، لما اشتهر به من الخير والزهد والتقوى والتواضع، وفتح داره لقضاء حوائج الناس، وقد تولى في حياته مشيخة الخطباء، والافتاء بالإنابة، ولم يكن هذا اللقب حادثة فردية، بل تسلسل في أسرته بعده؛ كابنه الشيخ الفقيه الإمام أبو الحسن عبدالله أبو الخير مرداد؛ المولود بمكة عام 1285هـ، والمتوفى بالطائف عام 1343هـ، الفقيه الحنفي، الذي جمع بين القضاء والإمامة والخطابة والتدريس في المسجد الحرام، في «رواق باب الصفا»، مع عناية بالعلم والتأليف، ومن أجل مؤلفاته المشهورة كتاب «نشر البنود والزهر في تراجم أفاضل أهل مكة المشرفة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر».

بفضل الله، معاني الخير والصلاح، لا تقف عند رجل واحد، ولا تنتهي عند جيل بعينه؛ إذ تبقى البيوت المهتمة وفية لما اشتهرت به، وتبقى خيوط الخير ممتدة في أبنائها، جيلا بعد جيل؛ ومن هذا المعنى، وهذا الأثر، الأستاذ فؤاد بن محمد نور بن أحمد أبوالخير، الذي غادر الدنيا (ضحى الثلاثاء الماضي)، والذي تشرفت بمعرفته قبل 28 سنة، من خلال مجالس التعلم والتعليم، والتي كان يواظب على حضورها، بكامل أناقته، ومعه أهل بيته، ولا يزال صوته وهو يقرأ كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم»، للقاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي، يملأ الآذان، بإتقان ودقة، وحسن تحضير؛ ولا غرابة فقد نشأ العم الأستاذ فؤاد في بيئة تعليمية أصيلة في مكة، وكانت له تجربة علمية خارجية؛ حيث أكمل دراسته العليا في «الجغرافيا» في جامعة القاهرة، وعمل مندوبا لوزارة المعارف - آنذاك - للتعاقد في العراق، في مرحلة لم تكن مثل هذه الرحلات مألوفة، وتخللت مسيرته العملية العمل في التدريس في عدة مدارس، والإدارة المدرسية، والإعلان والعلاقات العامة، والأعمال الخيرية؛ غير أن الذي بقي في الذاكرة، فوق الوظائف والمناصب، هو الجانب الحي من شخصيته رحمه الله، وحبه وعطاؤه؛ ومما لا أنساه اطلاعه على بعض المسودات التي أكتبها، وإعادتها إلي بعد التصحيح والتهذيب، بروح من يريد للنص أن يستقيم، ولصاحبه أن يحسن.

الوالد الأستاذ فؤاد، في بيته، كما في مجلسه، صاحب حضور دافئ، وعناية صادقة بأهله؛ فهو الزوج الوفي للخالة المصون السيدة ابتسام مديني، والتي اشتهر تلقيبها بيننا بخالة أم الخير، وهو الأب الحاضر في حياة ابنيه محمد نور، وحاتم، وبناته لمياء، وهاجر، وأماني، وميسون، وأحفاده وأسباطه، في صورة متوازنة تجمع بين المسؤولية والعاطفة، وتدل على أن السعادة في البيت تنعكس على الإسعاد خارجه.. اللهم اغفر وارحم للفقيد الجليل، وأعظم وأحسن لأهله وتلاميذه ومحبيه؛ ويبقى العزاء أن بعض الناس، وإن غابوا، لا يمكن ولا يصح أن تغيب معانيهم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق