تفاصيل الخديعة الكبرى للاستيلاء على أموال أصحاب المعاشات

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تفاصيل الخديعة الكبرى للاستيلاء على أموال أصحاب المعاشات, اليوم الثلاثاء 21 يوليو 2026 02:15 مساءً

تفجرت مؤخرًا واحدة من أخطر المعارك حول أموال المصريين؛ تلك التي دارت رحاها بين الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية والاقتصاد الأسبق، والسفيرة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية الأسبق، إنه اشتباك على جثة مئات المليارات من أموال دافعي التأمينات والكادحين لسنوات طويلة من أصحاب المعاشات.. 

تلك الأموال التي وصفتها التلاوي بمرارة بالغة بأنها كانت تُعامل في أروقة الحكم، وكأنها "فلوس بلا صاحب"، تبيح لكل ذي سلطة أن يغرف منها كيفما يشاء وحيثما يمتد نفوذه.

 

يوسف بطرس غالي ومناورة “الشاي في بلكونة الزمالك”

بدأت القصة حين أطل يوسف بطرس غالي في بودكاست "موعد مع لميس" مع الإعلامية لميس الحديدي، متسلحًا بلغة تكنوقراطية هادئة، يحاول عبرها تفكيك إرث الثقوب السوداء في سجلات الاقتصاد المصري إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك. 

دافع غالي عن نفسه، ونفى بشكل قاطع ما تردد طوال سنوات على لسان ميرفت التلاوي بشأن محاولته إقحام بنوك أمريكية، وتحديدًا "سيتي بنك"، لاستثمار أموال التأمينات والمعاشات المصرية في الأسواق الدولية وخارج الحدود.

 

استخدم غالي مناورة ذكية؛ بدأ بالإشادة بخصمه، واصفًا التلاوي بأنها "من أعظم السفراء في الخارجية، وكانت جبارة في اليابان"، لكنه سرعان ما هبط بوزنها السياسي في ملف التأمينات قائلًا إنها "قعدت 18 شهر بس"، مؤكدًا أن الدستور والقانون المصريين كانا يمنعان منعًا قاطعًا وحاسمًا خروج أموال التأمينات "خارج الديار المصرية".

 

تلك الرواية، التي بدت في صياغتها محكمة ومنضبطة، لم تنته عند حدود النفي القانوني، بل فتحت الباب لرواية مغايرة تمامًا، رواية تملك من التفاصيل ما يجعلها أشبه بـ "دراما سياسية" جرت كواليسها في بلكونة بحي الزمالك العريق.

 

يروي غالي أنه حينما انهار الاقتصاد في جنوب شرق آسيا، واهتزت بورصة القاهرة نتيجة لسيطرة الأفراد وغياب المؤسسات، اتصل به رئيس الوزراء آنذاك، الدكتور كمال الجنزوري، متسائلًا بحدة: "البورصة واقعة قاعد بتعمل إيه؟".

 

هنا، ووفقًا لـ "رواية غالي"، تولدت فكرة الاستعانة بأموال المعاشات كسند مؤقت للبورصة المنكوبة. ذهب غالي إلى منزل ميرفت التلاوي في الزمالك، وجلس معها في البلكونة، شرب الشاي، وشرح لها كيف يمكن لـ "مليار جنيه" من فوائض التأمينات أن تسند السوق وتجني أرباحًا على المدى الطويل، من خلال طرح طلب لمديري المحافظ، وهو ما أسفر لاحقًا عن إسناد الأمر لشركة "كونكورد" لإدارة المحافظ المالية.

التلاوي تكشف المستور

لم تأخذ الدكتورة ميرفت التلاوي وقتًا طويلًا لتفكيك شفرات رواية غالي. وعبر إطلالة تلفزيونية مع الإعلامي محمد علي خير على شاشة فضائية "الشمس"، شنت هجومًا مضادًا، واصفة حديث الوزير الأسبق بأنه "غير مضبوط تمامًا، وغير دقيق"، موجهة اتهامًا صريحًا لغالي بأنه "يحاول أن يبرئ نفسه، ويراهن على أن الناس لا تعرف التفاصيل".

 

أعادت التلاوي تركيب مشهد المقابلة الشهيرة لكن بمضمون مغاير، أكدت أن غالي جاء إليها بالفعل، ولم يكن وحده، بل كان مصحوبًا بمدير بنك أمريكي، ليعرض عليها إخراج أموال التأمينات للاستثمار في الخارج، وعمل حسابات بنكية دولية لأصحاب المعاشات، مقابل خصم مصاريف إدارية من كل مواطن. 

وحين سألت التلاوي مدير البنك مباشرة عن العائد، قال إنه "8%"، لترد عليه بحدة أملتها عليها "نزعتها الصارمة" وحرصها على أموال البسطاء: "لغاية كده المقابلة انتهت.. مش هطلع الفلوس برة".

 

تكشف التلاوي في روايتها عن الرقم المرعب؛ تلك الأموال كانت تقدر وقتها بنحو 400 مليار جنيه. وترى الوزيرة السابقة أن النفي الحالي لغالي ليس سوى محاولة لغسل اليد من وزر إدارة مالية تجرأت على أموال الغلابة طوال عقدين من الزمان.

المضاربة بالمليارات.. حنكة اقتصادية أم مغامرة غير محسوبة؟

المعركة امتدت لتطال تفاصيل دخول أموال المعاشات إلى ساحة المضاربات في البورصة المصرية. غالي يرى الأمر حنكة اقتصادية لإنقاذ سوق المال؛ أما التلاوي، فترى في الأمر فصلًا من فصول المغامرة غير المحسوبة؛ إذ تؤكد أن غالي حصل بالفعل على 500 مليون جنيه لصالح شركة واحدة دون غيرها، رغم وجود 13 شركة إدارة محافظ بالبورصة وقتها.

 

وتساءلت التلاوي بمرارة: "الفلوس مارجعتش حتى هذه اللحظة، ولا أعلم أين ذهبت.. هل خسرت في البورصة أم تم استخدامها في تمويل عجز الموازنة؟". وتكشف أنه حينما طلب الجنزوري إعطاء غالي 500 مليون جنيه أخرى لنفس الغرض، انتفضت واشترطت أن تقوم هي بتوزيعها بنفسها على الشركات المسجلة لضمان الشفافية، ومنع الاحتكار المالي الذي كان يمارسه وزير الاقتصاد حينها.


فلسفة الجباية: استولينا على أموالكِ بالليل!

إن أخطر ما في معركة غالي - التلاوي ليس الخلاف حول ما دار في بلكونة الزمالك أو عمولة البنك الأمريكي، بل هو "الاعتراف الصريح" بكيفية إدارة الدولة المصرية لأصولها في تسعينيات القرن الماضي.

تفجر التلاوي قنبلة سياسية عندما تروي ما دار داخل مجلس الوزراء؛ حيث جاء الدكتور كمال الجنزوري وقال لها بملء فيه: "إحنا استولينا على أموالك امبارح بالليل علشان نعمل توشكى".

تصف التلاوي هذا المشهد بكثير من الأسى لتؤكد كيف تحولت أموال التأمينات إلى "حصالة مفتوحة" تمول مشروعات تفتقر للميزانية، مثل مشروع توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي، وهي مشروعات لم تحقق أي عائد استثماري لأصحاب المعاشات، بل تركتهم يواجهون التضخم بجيوب خاوية.

 

وتكشف التلاوي عن فرصة تاريخية ضاعت على المواطن المصري بسبب عناد النخبة التكنوقراطية؛ حيث عرضت على الحكومة استثمار أموال التأمينات لشراء حصص حاكمة (25%) في ثلاث شركات ناجحة وقوية كانت الدولة تعتزم بيعها وهي: "موبينيل، والدخيلة، ومصر للألومنيوم بنجع حمادي". 

ورغم أن وزارة التأمينات عرضت سعرًا أعلى من المستثمر الأجنبي والأفراد، إلا أن العرض رُفض بـ "أوامر عليا"، وتم بيع الشركات لرجال أعمال وأجانب، وضاعت فرصة ذهبية لرفع مستوى معيشة الملايين من أصحاب المعاشات وإزالة العبء عن كاهل الموازنة العامة للدولة.

 

الدستور حائط صد أخير

هذا الصراع المرير الذي عاشته ميرفت التلاوي داخل أروقة الحكم، هما ما دفعاها لاحقًا -كما تروي- أثناء مشاركتها في "لجنة الخمسين" لإعداد دستور2013، إلى خوض معركة شرسة لانتزاع نص دستوري قاطع يقرر أن "أموال التأمينات هي أموال خاصة وليست عامة"، لتقطع الطريق على أي حكومة مستقبلًا تعيد إحياء فلسفة "الاستيلاء بالليل" لتمويل مشروعات سياسية أو سد عجز موازنات فاشلة.

 

لقد دفعت التلاوي ثمن موقفها هذا؛ فحينما سأل الرئيس مبارك عنها مستغربًا عدم وجودها في تشكيل حكومة عاطف عبيد، جاءه الرد من كواليس المطبخ السياسي: "إنها امرأة تصادمية". والتصادمية هنا لم تكن سوى دفاع عن خط الدفاع الأخير لفقراء هذا الوطن.

 

الصكوك الورقية والفوائد الصورية

بين تبريرات يوسف بطرس غالي الباردة التي تبحث عن أرقام النمو والإنقاذ اللحظي للبورصة، وبين صرخات ميرفت التلاوي المدوية للدفاع عن أموال المواطنين، تتبدى أمامنا مأساة إدارة الاقتصاد المصري في حقبة ما قبل يناير 2011.

 

لقد كشف هذا الاشتباك الأخير بين غالي والتلاوي أن الأزمة لم تكن مجرد قرارات فردية اتُخذت في بلكونة بالزمالك أو نقاشات عابرة في أروقة مجلس الوزراء، بل كانت "سياسة ممنهجة" ونهجًا إداريًا ثابتًا تعاملت به الحكومات المتعاقبة مع هذه المليارات بوصفها حصالة مجانية لسد ثقوب الموازنة وتغطية عجز السياسات الفاشلة. 

وإلى جانب نموذج تمويل مشروع توشكى ومدينة الإنتاج الإعلامي، يبرز "نموذج صكوك الخزانة العامة" كواحد من أبشع نماذج الاستيلاء المالي في تاريخ مصر الحديث عبر آليتين:

1- خدعة بنك الاستثمار القومي

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، أُلزمت هيئة التأمينات الاجتماعية بإيداع كافة فوائض أموال أصحاب المعاشات إجباريًا في "بنك الاستثمار القومي". كانت الحكومات تحصل على هذه المليارات السائلة لتمويل مشروعات البنية التحتية الخدمية وغير المنتجة لعوائد سريعة. 

والأخطر من ذلك، أن الدولة فرضت سعر فائدة صوريًا متدنيًا جدًا على هذه الأموال (تراوح بين 4% إلى 7%)، في وقت كان التضخم يلتهم الأخضر واليابس وكانت البنوك التجارية تمنح فوائد تفوق ذلك بكثير. هذا الفارق الضخم لم يكن سوى اقتطاع سري وممنهج من جيوب المتقاعدين لصالح الخزانة العامة.

2. عصر "الصكوك الورقية"

مع مطلع الألفية وتولي يوسف بطرس غالي حقيبة المالية، وصلت فلسفة الاستيلاء إلى ذروتها. قامت وزارة المالية بـ "فض التشابكات المالية" بطريقة أدت عمليًا إلى نقل أصول أموال التأمينات من بنك الاستثمار القومي مباشرة إلى دفاتر وزارة المالية. 

وبدلًا من إرجاع الأموال سائلة، قامت الحكومة بإصدار "صكوك ورقية" غير قابلة للتداول لصالح هيئة التأمينات. تحولت أموال الغلابة إلى مجرد "أرقام دفتيرية" وديون على الدولة، بينما استهلكت المالية السيولة النقدية بالكامل لدعم الموازنة العامة وأجور الموظفين وشراء رضا الشارع سياسيًا، مما حرم أصحاب المعاشات من استثمار أموالهم في مشاريع إنتاجية ترفع مستوى معيشتهم.

مقصلة التضخم والخصم الذي أصبح حكمًا

النتيجة الحتمية لهذا الاستيلاء الدفتري كانت كارثية؛ فالأموال المحبوسة في صكوك الحكومة لم تكن تنمو بمعدل يواكب القفزات الجنونية في الأسعار. وعندما خرج مئات الآلاف من الموظفين إلى التقاعد، وجدوا أن مكافآت نهاية الخدمة ومعاشاتهم الشهرية تحولت إلى فتات لا يكفي ثمن العلاج أو متطلبات الحياة الأساسية، لأن القوة الشرائية لملياراتهم جرى إهدارها وتجريفها لسنوات طويلة في قنوات غير استثمارية.

 

إن ما جرى يكشف أن غياب الاستقلال لهيئة التأمينات، وتعيين وزراء يجمعون بين الاقتصاد والمالية (مثل يوسف بطرس غالي)، جعلا "الخصم هو الحكم". فكان الوزير يبحث عن إنجاز رقمي لتقليل عجز موازنته، حتى لو كان الثمن هو السطو القانوني على أموال فئة هي الأكثر احتياجًا والأقل قدرة على الاحتجاج. إنها الجريمة الإدارية الكاملة التي دفع ثمنها ملايين المتقاعدين مرارةً وفقرًا في خريف العمر.

وتبقى شهادة الدكتورة ميرفت التلاوي، المدعومة بحطام المشروعات الكبرى غير المنتجة، وثيقة تاريخية تدين حقبة كاملة اعتبرت أن حماية الأسواق المالية وبعض رجال الأعمال أولى بكثير من صيانة كرامة كبار السن من المواطنين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، وكانوا ينتظرون من الدولة الحفاظ على أموالهم ومدخراتهم والتعامل معهم بعدالة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق