نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مسؤولية مدير الشركة عند التوقيع دون تفويض, اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 03:21 صباحاً
الأصل النظامي أن سلطة المدير ليست مطلقة، بل تستمد مشروعيتها من عقد التأسيس أو النظام الأساس وقرارات الشركاء أو مجلس الإدارة. وهذه الوثائق هي التي تحدد نطاق التفويض وحدوده، سواء من حيث نوع العقود أو قيمتها أو مدتها. وعليه، فإن مجرد الصفة الإدارية لا تعني تفويضا مفتوحا، ولا تسوغ للمدير تجاوز ما خول له باسم الشركة.
وعند وقوع التوقيع دون تفويض، يميز النظام بين حالتين جوهريتين. الأولى: أن يكون التوقيع داخل ظاهر السلطة وبحسن نية من الطرف المتعاقد، بحيث لم يكن في مقدوره العلم بتجاوز المدير لحدود التفويض. في هذه الحالة، قد تلزم الشركة بالتصرف حماية لاستقرار المعاملات وثقة المتعاملين، لا سيما إذا صادقت لاحقا على العقد أو استفادت من آثاره. أما الحالة الثانية: فهي أن يكون التوقيع خارج نطاق التفويض وبعلم أو تقصير جسيم، أو أن يتبين أن الطرف الآخر كان يعلم أو كان يجب أن يعلم بعدم وجود التفويض، وهنا تتجه المسؤولية إلى المدير شخصيا.
وتتأسس مسؤولية المدير في هذه الحالة على كونه تجاوز صلاحياته أو أخل بواجب العناية المفروض عليه. فالمدير مؤتمن على سلطة لا يملكها لذاته، وإنما لمصلحة الشركة. وإذا ترتب على توقيعه غير المفوض ضرر للشركة، قامت مسؤوليته المدنية بالتعويض، وقد تتسع هذه المسؤولية بحسب جسامة الخطأ وسوء النية. ولا يحمي النظام تصرفا انطوى على مجازفة غير مشروعة أو إهمال جسيم، حتى لو كان القصد تحقيق مصلحة ظاهرة.
ومن زاوية أخرى، يوازن النظام بين حماية الشركة وحماية حسن النية لدى الطرف المتعاقد. فحسن النية لا يفترض على إطلاقه، بل يستدل عليه بقرائن؛ منها الاطلاع على السجل التجاري، والتحقق من التفويضات، وطبيعة العقد وقيمته. وكلما كان العقد جوهريا أو ذا قيمة عالية، تعاظم واجب التحقق، وضعفت حجية التمسك بحسن النية.
أما على مستوى الحلول العملية، فتتطلب هذه الإشكالات معالجة وقائية قبل أن تتحول إلى نزاع. ويأتي في مقدمة ذلك توثيق التفويضات بوضوح، وتحديد صلاحيات التوقيع كتابة، وربطها بقيم مالية وأنواع محددة من العقود. كما ينصح بتحديث السجل التجاري بما يعكس الصلاحيات الفعلية، واعتماد سياسات داخلية للمراجعة والتوقيع المزدوج في العقود الجوهرية. وعلى الأطراف المتعاقدة، بدورهم، ألا يكتفوا بالصفة الوظيفية، بل يتحققوا من سند التفويض حماية لمراكزهم القانونية.
خلاصة القول، إن التوقيع دون تفويض ليس خطأ شكليا عابرا، بل مخاطرة قانونية قد تحمل المدير مسؤولية شخصية، وتضع الشركة أمام التزامات غير محسوبة. وبين حماية التعاملات وحفظ الانضباط الإداري، يرسم النظام توازنا دقيقا لا يحسن إدارته إلا من أدرك أن السلطة تمارس بحدودها، وأن التوقيع مسؤولية قبل أن يكون صلاحية.
expert_55@
















0 تعليق