الصلابة والمرونة فى المحن والكوارث

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فى المحن تُختبر الشعوب، ويخرج بعض الظرفاء ليروّجوا لضلالة سخيفة؛ فبعد تتابع المحن، ظهرت رسالة تسرد وتربط الكوارث بتقلب الطقس الشديد، وتُرجِع السبب إلى لعنة الفراعنة، صدَّق البعض، وضحك الآخرون، وظهر المُسمِّى نفسه رمسيس الثانى ليقول (اتركوا الإهمال والفساد قالوا لعنة الفراعنة، لم أكن سائقًا لقطار، أو فاسدًا يبنى عمارة).

إنّ مناطق كثيرة فى العالم معرَّضة للكوارث، وغيرها التى سببها عامل بشرى، إن للكوارث مراحل: (1) ما قبل المحنة: المصريون مشغولون ومستغربون من رداءة الجو فى الربيع، ومنتظرون الفرج فى حياتهم وفى قناة السويس. (2) ثم مرحلة الصدمة: وفيها يتلقى المعنيون بالحادث نبأ الفاجعة، ويتلقاها الجمهور المشاهد بكثير من الأسى من صور الانهيار والارتطام وغيرها مما يفطر القلب. (3) مرحلة الشهامة والرجولة: فى الهرع بالمصابين والمتوفين إلى أماكن أكثر أمانًا وكرامة، وهنا كان أهل سوهاج مثالًا رائعًا، كما سطّرت هيئة قناة السويس ملحمة عظيمة فى حالة شديدة الاستثنائية. (4) ثم مرحلة شهر العسل: لنعيش مع المسلسلات والأكلات الهنيّة، وننام ملء جفوننا ملتزمين بالتفاؤل ولو لهنيهة. (5) مرحلة الخشية: من التفاؤل غير الحذر، والإحساس بالمرارة، مع الخوف من بكرة، والترقب والإحساس بالشدّ بين الأمل، والخوف مما يخبئه الدهر. (6) مرحلة إعادة البناء: فنرى القناة العالمية تُسيِّر مئات السفن، ونشعر بالفخر والأهمية، لأننا نملك هذا الشريان العالمى الذى بنته سواعد مصرية بالسخرة دون كلل، ونرى قطارات حديثة، وضوابط أكثر إحكامًا على العامل البشرى، نقطة القوة والضعف فى كياننا، فهنا إصرار وصبر وقوة تحمل، وهناك إهمال وفساد وعبث وموت.

لكن كيف نتعامل مع المحن والكوارث؟ لكل إنسان حيل دفاعية يوظفها وقت الخطر، لكى يتعامل بمرونة وصلابة مع واقع متغيِّر، مع عوامل داخلية وخارجية تحكم تفكيره وسلوكه، فهو حتمًا لن يتوقف عن ركوب القطار، لكنه يريد أن يطمئن أكثر، لأن الحوادث لا تستثنى حافلة، أو سفينة أو سيارة ملاكى أو عجلة، علينا أن نركِّز بحواسنا وانفعالاتنا على لُبّ المشكلة، وكيفية حلِّها من الحكومة، وندقق فيها مع المسؤولين، وأن نطرح فيهم الثقة، وأن نسألهم الأسئلة المهمة: (1) لم كان هذا الموقف ضاغطًا. وإلى أى مدى؟ (2) ما المطلوب منِّى ومن كلٍّ فى موقعه؟ (3) هل يتحمل كل منا.. المواطن والمسؤول مسؤولياته بأمانة وإخلاص؟ وإلى أى مدى؟ هل صحتنا النفسية والعقلية على مستوى الحدث والتعامل معه؟

لا بد أن أشيد بأبطال قناة السويس، فى التعامل مع تلك السفينة العملاقة، أشيد بمرونتهم وقدرتهم على التعامل مع كل الضغوط التى تأتى من كل ناحية.. هم لا ينامون ولا يعيشون كما نعيش ونحن نشاهد التليفزيون.. إن هناك خوفًا من الأضرار والموت والعجز، وهناك تهديد وأيضًا تحدٍّ كبير.

ثم تأتى ضرورة التغيير إلى الأفضل، وتعزيز مجال التكافل والتضامن الاجتماعى، بحيث تتمكن الجهات المسؤولة من إعادة ترتيب أولوياتها، ومن خلال تغيير الأُطر التى تعمل داخلها، أن تكون صاحبة أفعال نافذة وثاقبة وقوية وحامية وقادرة على بث الأمان والراحة فى قلوب الناس، وفى دنياهم وفى مأكلهم ومشربهم ومعاشهم، أن يكون لها فعل مؤثر، وليس رد فعل للأحداث.. أى Proactive وليست Reactive.

أن يتدرب الجميع أفرادًا ومسؤولين على المرونة والصلابة، يصبحون ككرة الاسكواش الصلبة، تضربها بقوة فى الحائط ترجع لك غير مهزومة، تضربها فى الأرض، ترتفع إلى عنان السماء، شامخةً وقادرة على إيجاد حلول للمشكلات ولتفادى الأزمات، والاستعداد للمحن والكوارث بقلب جرىء وسواعد قوية.. إنها تلك القدرة الفذَّة على التعامل والتعاون والمطاوعة والمرونة، وتحديد الهدف وعدم الاستسلام لليأس.

إن من قال فى سوهاج (بيوتنا كلها مفتوحة ليكم) بلهجة صعيدية، طفل عمره عشر سنوات، إن هؤلاء الشباب الذين تدفقوا للتبرع بالدم، كانوا فى أروع حللهم، إن أهل الصعيد أثبتوا أنهم يملكون كل ما هو جميل ورائع ومميز، ربما لديهم ما لم يتخيلوه، هم من نسل هؤلاء الفراعنة الذين ستسير مومياواتهم مبجَّلة فى شوارع القاهرة دون ضلالات.

هذا شعب احتلته قوى كثيرة.. هضمها ولفظها، هو الذى حفر قناة السويس وأمَّمها وسيَّرها ويحميها ويحافظ عليها.. بعيدًا عن التفكير السلبى، أو التغنّى بالأمجاد، نحن نملك الرأسمال البشرى الهائل والقوى والصابر، ذاك الذى يملك عزيمة الالتئام والالتحام والتصدى.

[email protected]

  • الوضع في مصر

  • اصابات

    185,922

  • تعافي

    143,575

  • وفيات

    10,954

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق